|
صفحة مجيدة من تاريخ الأقباط: ثورة 1919 والمشاركة الوطنية للمرأة القبطية |
إعداد: مريم مسعد صادق |
|
|
|
فى الثامن من شهر مارس كل عام نحتفل بذكرى مولد ثورة 1919، فترفع الأفلام المصرية والأغانى الوطنية رايات "يحيا الهلال مع الصليب"، فى إعادة مشهد الحركة الوطنية إلى الأذهان، وبعد مرور واحد وتسعين عاماً على تلك الحركة الوطنية، لا نجد سوى إعادة رفع الرايات وتذكير أنفسنا بتلك الأيام الوطنية فى أروقة الزمن الجميل. ترجع تفاصيل ثورة 1919م إلى مطالبة سعد زغلول بالسماح للوفد المصري بالمشاركة في مؤتمر الصلح في باريس، وعندما رفضت بريطانيا هذه الأمر ودعته إلى تقديم مقترحاته عن نظام الحكم فى مصر إلى المندوب السامى البريطانى، احتج سعد زغلول بكافة الوسائل وأصدر عدة قرارات من ضمنها نقل القضية المصرية إلى الميدان الدولى، والاتصال المباشر بممثلى الدول، والامتناع عن تنفيذ أوامر السلطات البريطانية التى تمس مطالب مصر بالاستقلال، كما عقد سعد زغلول اجتماعاً كبيراًَ يوم 13 يناير 1919 أسفر عن مبادرة أمانة الوفد بطبع الخطاب وتوزيعه فى العاصمة والأقاليم، تخطياً لحظر النشر عن الوفد فى الصحف، وأمام إصرار سعد زغلول، اضطرت السلطات إلى نفيه هو ومحمد محمود وحمد الباسل وإسماعيل صدقى إلى مالطة، فانفجرت الثورة في كل مكان في مصر. وخرجت السيدات لأول مرة فى تاريخ مصر مُحطمات أسوار الجهل والقمع التى كبلتهن سنوات عدة بقيادة صفية زغلول والعديد من الشخصيات النسائية القبطية منها: "حرم حنا بك مسيحة- حرم عزيز مشرقي- حرم ويصا واصف- الآنسة جوليت صليب- الآنسة ماري ميرهم- حرم د. نجيب إسكندر- حرم إسكندر بك مسيحة- مدام رافائيل بغداي- حرم صليب بك منقريوس- حرم ميخائيل لبيب" وهن اللاتي سطرن بداية التحرير الحقيقي للمرأة في كتب التاريخ. وقد تزعمت هدى شعراوى المظاهرة فطافت مع السيدات القبطيات شوارع القاهرة ودار المفوضية الأجنبية هاتفات لمصر والاستقلال مُطالبات بعودة سعد حتى انتهى بهن المطاف إلى دار الأمة رافعات علم مصر، الأمر الذي آثار الإنجليز فتدخلوا لانتزاع العلم بالقوة، وسرعان ما احتشد حولهن الجند البريطانيون بسيارتهم المسلحة وحاصروهن من كل جانب ليفرقوهن غير أنهم لم يستطيعوا، وظلت السيدات ثلاث ساعات والشمس ترسل لهيبها حتى أصابهن التعب وبلل العرق جباههن. فتدخل بعض الطلبة في محاولة لإخلاء سبيل السيدات المتظاهرات فطافوا على مفوضيات الدول الأجنبية راجين أن يتوسط أحد الوزراء المفوضين لدى السلطة العسكرية فيرفع الحصار عن سيدات مصر، ولكن مساعيهم لم تصب التوفيق وطالت وقفة السيدات القبطيات تتزعمهن هدي شعراوي إلى ما يقرب من أربع ساعات، ووفود الطلبة تهرع من مفوضية إلى أخرى حتى انتهي بهم المطاف إلى المفوضية الأمريكية، وقابلوا الوزير المفوض الذي تعاون معهم وأصدر الأوامر بفك الحصار. وكانتا زوجتا سينوت حنا ومرقس حنا هما صاحبتا فكرة تصوير الهلال مع الصليب تحت إشراف صفية زغلول التى أطلق عليها المصريون "أم المصريين" لعطائها المتدفق من أجل قضية الوطن، وأصبح بعد ذلك هو العلم الوحيد الذي ترفعه كل المظاهرات في الثورة. وبعد رحيل سعد زغلول لم تتوقف صفية زغلول عن نشاطها الوطنى لدرجة أن رئيس الوزراء آنذاك إسماعيل باشا صدقى وجه لها إنذاراً بأن تتوقف عن العمل السياسى إلا أنها لم تتوقف عن رسالتها السامية فى المشاركة الوطنية لدفع البلاد للأمام وتحقيق الاستقلال حتى وفاتها عام 1946م. إستر فهمي ويصا: من رائدات الحركة النسائية المصرية والحركة الوطنية في ثورة 1919 بمصر، فوالدها هو "أخنوخ" المحامي الشهير بأسيوط، والذى أسس جمعية خيرية في أسيوط لمساعدة منكوبي الأزمة الاقتصادية ونقص المواد الغذائية. كما اشتغل بالمحاماة أمام المحاكم الأهلية ابتداء من عام 1884، ومنحته الجامعة الأمريكية درجة الدكتوراه الفخرية عام 1910، ورأس المجلس الإنجيلي العام بالقاهرة، وكان له دور في الحياة الحزبية المصرية في عام 1908، وزوجها "فهمي بك ويصا" كان وزير (الوقاية المدنية) في 2 يوليو 1943. ولم تكن إستر أقل وطنية من والدها أو زوجها، حيث كانت فى مقدمة صفوف السيدات المناضلات من أجل استقلال الوطن. كما اشتركت فى 13 ديسمبر 1919 فى الاجتماع الذى عقد بالكاتدرائية المرقصية بكلوت بك بحضور ثلاثة آلاف امرأة وعبد الرحمن فهمي الذى حفظت لنا مذكراته وقائع هذا الاجتماع حيث احتجت السيدات المصريات فى هذا الاجتماع على نفي الزعماء، وعلى وزارة وهبة باشا، ومن بين أسماء الموقعات على هذا القرار الأسماء: "هدى شعراوي ، إستر فهمي باشا، حرم محمد بك على المحامي، وبرلنتي ويصا واصف". وانتخبت فيه "هدى شعراوي رئيسة- والتى أسست الاتحاد النسائى عام 1932 والذى يُعد أقدم هيئة نسائية فى مصر- وفكرية حسن وإحسان القوصي وإستر فهمي ويصا سكرتارية اللجنة، وقد بدأت تلك اللجنة أعمالها بإرسال الاحتجاجات وكتابة المقالات في الصحف اليومية، فأرسلت إستر فهمى إلى اللورد اللنبى قائلة: "سمعت مؤخراً أن السيدة "حرم زغلول باشا" قد طلبت اللحاق بزوجها "سعد باشا" حيث تلقت أخباراً تفيد مرضه وأرجو أن يكون مرضه ليس خطيراً، حيث إن أي شىء يصيبه قد يفسر بسبب منفاه.. وأشعر أنه من صميم واجبي أن أقنع سيداتكم بأن عودة "زغلول باشا" في الوقت الحالي ضرورية تماماً لصالح البلاد ولصالح بريطانيا. وإذا أردتم وضع الحق في نصابه فإن تأييده يمكن أن يحمي البلاد، كما أنه سيساعد على تسهيل الأمور بالنسبة لكم. إن حياة زغلول باشا غالية ويجب علينا عمل أقصى ما يمكننا لحمايتها. إن زغلول باشا سيظل دائماً في عين الشعب البطل القومي، ولو أصابه أي مكروه فسيكون هو القديس وهو الشهيد الذي ضحى بحياته في سبيل المبدأ. إن السياط التي هوت إنما نزلت على ظهور الأبرياء.. أما السجناء في سيشل.. فأرجو أن تكون سعادتك قد اتخدت بالفعل الإجراءات الكفيلة بنقلهم من هذا المناخ الرهيب غير المحتمل على الإطلاق. هل يمكنك يا صاحب السعادة التكرم بإخطاري عن أي خطوات سيتم اتخاذها قريباً؟ أرجو مخلصة أن يكون القرار قد اتخذ بالفعل، وأن يكون لي الشرف بأن أكون أول من يسمع الأخبار الطيبة". إمضاء: نائبة رئيسة لجنة الوفد المركزية للسيدات إستر فهمي ويصا. ورد عليها اللورد اللنبى قائلاً: سيدتي الفاضلة مدام ويصا.. "رداً على خطابك المؤرخ اليوم، ليس هناك ما يدعوني إلى الظن بأن صحة "زغلول باشا" قد ساءت، وأشعر بالسعادة لأن السيدة حرمه ذاهبة إليه وستكون في صحبته. وإذ أشكرك على إسداء النصيحة في خطابك– وأنا واثق من أنك تعنين كل ما تقولينه– إلا أنني أعتذر عن عدم إمكاني العمل بكل ما تقولين". كما قامت تلك اللجنة بمظاهرة سلمية نسائية فى القاهرة والإسكندرية وطنطا، وقال "سعد باشا" عند عودته من منفاه: "إن المرأة المصرية قد شاركت بجهد خلاق في نهضتنا الحاضرة وأثبتت شجاعتها في موقفها أيام الثورة"، فلتهتفوا جميعاً تحيا السيدة المصرية). وفي عهد وزارة محمد محمود 1928 اجتمعت "ألفت راتب ثابت وإستر فهمي ويصا وحياة نور الدين، وروجينا الخياط، وتماضر صبري، ووجيدة ثابت، ورئيفة موسى" فى أغسطس وأعلنوا الاحتجاج على موقف الحكومة غير المشروع من حل البرلمان وإثارة الرعب بين طبقات الشعب وأرسلوا صورة من الاحتجاج إلى وزارة الخارجية البريطانية. كما اشتركت المرأة المصرية فى العديد من المؤتمرات ولها الكثير من المواقف المشرفة، ففى مؤتمر روما عام 1923 كان كل وفد يدخل حاملاَ علم بلاده، أما مصر فدخلت بعلم خاص تمسكه هدى شعراوى يتوسطه الهلال والصليب، وعندما سئلت قالت إنه علم الثورة ورمز الوطنية والاتحاد. وظلت الصحافة في هذه المرحلة تؤازر المرأة كجريدة "السياسة" ومجلة "الهلال" التى رسمت صورة المرأة المثالية التي يجب أن تتمثلها المرأة المصرية فارتفعت مبيعاتها وسرعان ما خطت جريدة الأهرام على خطاها فتفوقت فى توزيعها على كافة الصحف والمجلات، ولم تهبط سوى جريدة المقطم لمعادتها للأمانى الوطنية فانصرف كافة المصريين عن قراءتها. هيلانة سيداروس: التحقت هيلانة بكلية البنات القبطية وهى فى الثامنة من عمرها رغم كل المعوقات المجتمعية آنذاك التى لم تكن تسمح للسيدات بالتقدم إلى الامتحانات العامة ولا حتى شهادة إتمام الدراسة الابتدائية، هذا بالإضافة إلى أن المهنة الوحيدة التى كانت متاحة للمرأة هى مهنة التدريس!! غير أنه لذكائها الشديد أرسلها والدها للالتحاق بالقسم الداخلى بمدرسة السنية بالقاهرة ثم التحقت بعد ذلك بكلية إعداد المعلمات إذ لم يكن أمامها اختيار آخر سوى هذا الطريق، وكانت مدة الدراسة بهذه الكلية أربع سنوات، وفى تلك الكلية كانت ناظرة المدرسة والمدرسات جميعهن إنجليزيات باستثناء مدرس اللغة العربية. وفى سن مبكرة جداً وهى ابنة الخامسة عشرة من العمر اشتركت فى المظاهرات الوطنية منادية بالإفراج عن سعد ورفاقه، وبعدها استمرت فى المشاركة فى الكفاح الوطنى للمرأة المصرية ضد الاحتلال الإنجليزى، حيث كانت تتردد على منزل الزعيم سعد زغلول "بيت الأمة"، وكانت تشارك فى اجتماعات الحركة النسائية بقيادة السيدة "صفية زغلول" من أجل مناهضة الاحتلال الأجنبى ومقاطعة البضائع الإنجليزية ثم انضمت إلى جمعية هدى شعراوى. بعد أن أنهت دراستها بالسنة الثانية بكلية إعداد المعلمات ونظراً لتوفقها تم ترشيحها لبعثة حكومية للسفر إلى إنجلترا لدراسة الرياضيات، غير أنه بعد فترة من بداية دراستها علمت أن الدراسة ستقتصر على ما يعادل شهادة إتمام الدراسة الثانوية فى مصر، وفى نهاية الدراسة ستحصل على خطاب يحدد تخصصها! فغضبت هيلانة لهذا الأمر وسارعت بإرسال خطاب إلى المستشار الثقافى بالسفارة المصرية بلندن تطلب فيه موافقته على رغبتها فى العودة إلى مصر لاستكمال دراستها، وحدث أنه بعد مضى أسبوع من إرسال خطابها حضر السيد المستشار الثقافى إلى المدرسة بلندن وطلب مقابلتها وقدم لها عرضاً لدراسة الطب فى جمعية كيتشنر التى كانت قد تأسست فى مصر بهدف إقامة مستشفى للمرضى من النساء فقط، وعلى أن تتولى إدارتها طبيبات مصريات فقط، فوافقت هيلانة على هذا الترشيح الجديد والتحقت بمدرسة لندن الطبية للنساء مع خمس مصريات أخريات. وبعد أن تجاوزت السبعين من عمرها لم تنصرف عن العمل الوطنى والاجتماعى، فاستقالت من عملها كطبيبة وانضمت إلى الجمعية الخيرية القبطية للعمل الاجتماعى، تلك الجمعية التى ولدت المستشفى القبطى بالقاهرة كأول مستشفى وطنية فى مصر. كانت هذه بعض مقتطفات من تاريخ قبطيات أصررن على النجاح والانخراط فى المجتمع رغم كل المعوقات والصعوبات، فهن حقاً بزغن منارة للمجتمع والتاريخ.
|
|
|
|