|
سنة أولى تسامح
|
|
دكتور بليغ حمدي إسماعيل
|
|
أمة أتت في فجر الإنسانية بمعجزة الأهرام لن تعجز عن الإتيان بمعجزة أخرى أو معجزات، لقد صنعت مصر قلبها بيدها ليعيش إلى الأبد. هكذا جاءت عبارة خالد الذكر توفيق الحكيم في رائعته عودة الروح واصفاً مصر والمصريين، تلك التي عاش بها وخالط أهلها، ليست هذه التي نسمع عنها ما يحزن قلوب مواطنيها. وكنا قد تحدثنا في مقال الشهر المنصرم عن أحداث نجع حمادي التي هزت أفئدة محبي هذا الوطن وعاشقي أراضيه على السواء دون تفرقة أو تمييز أو استبعاد اجتماعي. وكنت قد تلقيت عبر بريدي الإليكتروني عشرات الرسائل التي تستفسر عن نوع ولون وشكل الفياجرا التي طالبنا بتعاطيها لاحتواء الأزمات الطائفية وقتل الاحتقان الديني من أجل العيش في سلام وأمن وطمأنينة. ويبدو أن وزارة الحياة لم تتلق أية تعليمات بخصوص الترويج لهذا العقار المعنوي الداخلي، ومازالت مصر ويومياتها ترصد حالات أخرى مماثلة لهذا الاحتقان رغم دعوة السيد الرئيس مبارك لكل من الأزهر والكنيسة المصرية لاحتواء أي أزمات دينية قد تؤدي إلى فتنة غير محمودة عواقبها، فكأن المؤسسات الدينية الرسمية في مصر لم تسمع النصيحة أو سمعتها ولم تفطن بعد إلى كيفية تطبيقها. ولازالت المؤسسات الدينية تخاطب النخبة وصفوة المثقفين رغم أن الفئة المستهدفة من نصيحة الرئيس مبارك هي العوام والعموم والعامة الذين أصبحوا فريسة سهلة لنجوم وسوبر ستار الفضائيات الفراغية، وهؤلاء احترفوا دغدغة المشاعر والرقص فوق أحاسيس المواطن البسيط الذي لا يفرق بين لحية رجل دين ولحية متطرف، ولم يعد عارفاً بالفوارق المتباينة بين جلباب أبيه وجلباب أميره الذي يأمر فيطاع، ويعصي فلا يشق قراره بعصيان آخر. ولو كان بيننا رجل يزن أمة كالإمام المجتهد الشيخ محمد عبده لما سمعنا عن فتنة طائفية أو اختلافات فقهية تزيد من الحيرة والغموض، فقد كان هذا الإمام المجدد يفتح بأظافره باب الاجتهاد من أجل اللحاق بركب الحضارة، لا من أجل مشاجرات ومشاحنات مصرية خالصة بين أبنائها تنتهي بقتل وعزاء ومحاكم وغصة بالقلب لا تنقضي مرارتها. فكان الشيخ المجتهد يناقش معارضيه ويحاورهم بجدل رقيق منوط بالمنطق وبالحجة والرأي، ويحارب الثقافة الصفراء، قاصداً تلك الكتب القديمة التي تتسم بالجمود الديني والتي من شأنها إصابة المرء بتصلب شرايين العقل. ولأننا والحمد لله لا نقصد أبواب النخبة والصفوة أبداً- لأن هؤلاء لا وقت عندهم للقراءة- قصدنا الهمة والعزم لأولي الرأي والقرار بالمؤسسات التعليمية التي من المفترض أنها تعي أن التعليم استثمار وقضية أمن قومي، وإذا فسد عقل الناشئة لا تنتظر خيراً منهم، ففساد العقل والرأي لا يفرق بين مسجد وكنيسة، ولا يميز بين شيخ وقسيس، لذا فإن أردنا خيراً لهذه الأمة علينا أن نوجه اهتمامنا بتعليم الصغار والناشئة. ولندع جانباً القضايا الجدلية التي لازلنا في أسرها كموضوعات القراءة وحذف النصوص الدينية والتوصيات المكتوبة بحبر قابل للمحو عن تاريخ الأقباط في مصر وملامح رحلة العائلة المقدسة على أرضها، فكلما نادى بعض المصلحين والمفكرين بما سبق، وجدت فئة أخرى ليست بالقليلة تناهض وتجادل وتدحض آراء معارضيها، ونظل حائرين وسط الدائرة التي لا مخرج منها. إن إعادة النظر في مناهج التعليم نفسها أمر يحتاج إلى النظر والاجتهاد المستنير، فما ظنك بتعليم لا يسعى لتحقيق مبدأ تعلم لتشارك الجميع إلا أن يكون من بين ضحاياه فريق يقتل ويدمر ويخرب ويفسد ويحارب في الأرض، والقرآن الكريم قد حذر من المحاربة مثل قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) . وليت وزارة التربية والتعليم تصنع خيراً في هذا الفصل الدراسي، فبدلاً من اكتفاء الوزارة بأخبار ضحايا أنفلونزا الخنازير، ومشروعات التنمية المهنية للمعلمين والنتيجة رسوب قطاع كبير منهم في اختبارات الكادر التعليمي، أن يحسنوا صنعاً بأبنائنا وتوجيههم وجهة دينية صحيحة وسليمة على السواء، أقصد أبناءنا المسلمين والأقباط وتوعيتهم بتعاليم دينهم السليمة والتي تدعو للتسامح والتعايش وتحض على الحوار والالتزام بآدابه وقواعده، مع الاهتمام بنبذ كافة أشكال العنف وأضراره على الفرد والمجتمع والجماعة. وعلينا أن نقر بأن مساحة الظلام تعد أضعاف مساحة التنوير والاستنارة في مدارسنا وجامعاتنا البعيدة عن أي تصنيف علمي عالمي يذكر طبقاً لتصنيف الجامعات العالمية الذي أعدته جامعة شنغهاي بالصين. ولقد نوهنا في مقال سابق عن وجود فئة عريضة من معلمي التربية الدينية بالمدارس غير مؤهلين بالمرة لتدريس هذه المادة الخطيرة والموجهة لسلوكيات الطلاب في المستقبل، فمن منا لم ينس قول أو فعل معلم الدين داخل وخارج الفصل، بل إن معظم موجهات سلوكنا الاجتماعي الديني مرتبط بما صدر عن هؤلاء المعلمين. وعلى وزارة التربية والتعليم أن تستغل وقت الأنشطة الصيفية وغير الصفية بالمدارس في عقد سمينارات صغيرة لطلابها يتم فيها مناقشة أفكارهم ومعتقداتهم التي تبدو مغلوطة لدى البعض لاسيما طلاب المرحلة الثانوية، وهذا الأمر يحتاج قدراً كبيراً من العناية والاهتمام لا أن يؤخذ على سبيل التوصية البحثية، وهذا حل سريع رغم أنه ليس جذرياً، لأننا نعمل بالمثل القائل إذا أردت أن تطاع فأمر بالمستطاع، فليس بمقدورنا مطالبة القائمين على مناهج الوزارة بتجديد المواد الدراسية وإصلاحها وتجديدها برؤية إبداعية فهذا سيحتاج إلى سنوات ليست بالقليلة وقتها ستزداد المشكلات والمشاحنات الطائفية التي لا تبقي ولا تذر. ولكن نكتفي بالقليل الممكن أفضل من الكثير المحال، فمثلاً تقيم المدرسة مسابقة أو ندوة أو محاضرة أو أي شكل تراه مناسباً لإمكاناتها حول حديث الرسول محمد عليه الصلاة والسلام: ( من آذى ذمياً فأنا خصمه)، وتوضح أن الإسلام ليس فيه تعصب أو عنصرية، بل إنه منهج قائم على التسامح والمودة بين الأديان. أو إقامة دورة توعية مدتها يومان فقط حول أهمية الحوار الديني وضرورة التمسك بالموعظة الحسنة عملاً بالآية الكريمة: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) بدلاً من تركهم فريسة سهلة الصيد لبعض دعاة الفتنة والهوس والاحتقان الديني. بخلاف اهتمام معلم التربية الدينية المسيحية بتوجيه نظر واهتمام طلابه بأن المسيحي والمسلم شركاء في هذا الوطن وأن الشرائع السماوية واحدة لأن مصدرها واحد، وعليهما- المعلم والطالب- أن يعملا معاً للارتقاء بهذا الوطن وخدمته ورفعته. وليتنا نفعل هذا ولا نجعله مجرد شعارات توضع على الجدران لا قيمة لها، بل نحرص على ذلك من أول أيام عودتنا للدراسة، فمعظم من يقوم بأعمال الشغب والعنف الطائفي من طلاب الجامعة وهم معذورون لأن الجامعة لم تعد تقدم شيئاً في ظل ما تشهده من تزاحم وتدافع طلابي وجودة تدريسية غائبة ودور تنويري معدوم، لذا فمن الأحرى الاهتمام بهم في بداية المرحلة الثانوية الخطيرة حيث إن الطلاب معرضون فيها للاستقطاب الديني الموجه سلبياً لأنهم لا يمتلكون أسلحة ودروعاً ثقافية قوية تقيهم وتحميهم من اللغو ولغط القول والفعل. وعلى طريقة المطارات الدولية وصالات الانتظار، لعله النداء الأخير لوزارة التربية والتعليم بأن تهتم كثيراً وليس قليلاً باستثمارها الحقيقي ألا وهو الطلاب أنفسهم، فهم الذين سيبنون المستقبل قبل أن ينهار على يد فئة قليلة من المهووسين فكرياً، وهم الذين سيحمون وطننا حينما يصيبنا الهرم وتقوضنا الشيخوخة. لقد أصبح من الضروري جعل تشكيل المواطن وتنميته مطلباً ضرورياً وحتمياً، وعلينا أن نقدر الحقيقة غير الغائبة تقديراً جيداً، فاحترام التنوع والاختلاف واحترام الآخر ودعم التعددية الثقافية أمور جادة غابت الأسرة وسط الظروف الاقتصادية عن تحقيق بعضها، وتغيب المؤسسات الدينية الرسمية عنها أيضاً لأنها شغلت بقضايا النخبويين والمثقفين وتبادل أدوار المتهم والقاضي والجاني والمجني عليه، لذا بقي دور المدرسة، وهذا رهاننا الأخير، أن تتحول المدرسة من ممارسة ثقافة الامتصاص السلبي إلى ثقافة الحوار والمناقشة والاعتماد على التفكير، وقديماً قال كونفوشيوس: تعليم بلا تفكير جهد ضائع، وتفكير بلا تعليم أمر محفوف بالمخاطر. ومجمل الأمر ومختصره، أننا وإخواننا ممن يعيشون بأرض مصر وينعمون بخيرها ويعانون آلامها لا ولن نيأس من الرقي بها وبأهلها، وإن قامت قيامة المهووسين فكرياً ضدنا فلن نيأس، ونذكر الجميع بقول الله تعالى: (ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون).
|
|
|
|