التعليق:
الاسم:
عنوان التعليق:
المرسل إليه:
الاسم:

حتى لا تختلط الأمور
رداً على مقالات المفكر الإسلامي جمال البنا
الكنيسة والعمل الاجتماعي
التقارب المسيحي الإسلامي


القس/ إيمن لويس



     انتهينا في الأعداد الماضية من عرض وجهة نظرنا فى إشكالية الخطاب الدينى المسيحى وبخاصة القبطى، وعلقنا على بعض النقاط والأفكارالهامة التى تضمنها المقال فيما بين السطور، فتحدثنا عن الخلط بين الانتماء الدينى والوطنى والموقف من أقباط المهجر. ونناقش الآن:
     • الكنيسة والعمل الاجتماعى
     • التقارب المسيحى الإسلامى وموقف المسيحيين من المادة الثانية وتطبيق الشريعة 
     وفى المقال الثانى اقتبس د. جمال البنا عن العلامة الأب متى المسكين ما يعنى خطأ الكنيسة بالانخراط والمساهمة فى برامج التنمية وإقامة مشاريع للخدمة الاجتماعية! فى الحقيقة نحن نجل الأب متى ونقدر علمه ولكن ليس كل ما يقوله العظماء عظيماً، ورغم علمنا بحجم قامتنا مقارنة بالأب متى إلا أنه عندما يكون هناك نصوص صريحة واضحة بالكتاب المقدس هنا تتلاشى فرص الاجتهاد ومن هذه النصوص: "اشفوا مرضى طهروا برصا. أقيموا موتى. أخرجوا شياطين. مجاناً أخذتم، مجاناً أعطوا" (مت10:5). وبالفحص لخدمة السيد الرب يسوع المسيح نجد أن الخدمات الإنسانية جزء لا يتجزأ من رسالة الإيمان، ففى الشاهد الذى ذكرناه نجد أن السيد له المجد وهو يعطى التلاميذ الذين اختارهم وهم رمز للكنيسة أو نواة تكوين الكنيسة تكليفات بداية العمل الرسولى يوصيهم بأن العمل الروحى مقترن بعمل الرحمة (الرسالة الاجتماعية) ومن قصة السامرى الصالح (لوقا10: 25- 37) نعلم أنه لا إيمان دون أعمال وأن أعمال الخير يجب أن تكون لكل محتاج بغض النظر عن لونه أو جنسه أو دينه، واهتمامه بدعم الفقراء من خلال ما كان يقدم له من تبرعات وعند الموافقة للتصريح بالخدمة لمن كانت لهم الدعوة الروحية لذلك كان يتم تذكيرهم بعدم إهمال هذا الجانب كما حدث مع بولس الرسول: "فإذ علم بالنعمة المعطاة لى يعقوب وصفا ويوحنا، المعتبرون أنهم أعمدة، أعطونى وبرنابا يمين الشركة لنكون نحن للأمم، وأما هم فللختان. غير أن نذكر الفقراء. وهذا عينه كنت اعتنيت أن أفعله" (غلاطية2 :10،9). "ما المنفعة يا إخوتى إن قال أحد إن له إيماناً ولكن ليس له أعمال، هل يقدر الإيمان أن يخلصه؟ إن كان أخ وأخت عريانين ومعتازين للقوت اليومى، فقال لهما أحدهما: "امضيا بسلام، استدفئا واشبعا" ولكن لم تعطوهما حاجات الجسد، فما المنفعة؟ هكذا الإيمان أيضاً، إن لم يكن له أعمال، ميت فى ذاته" (يعقوب2 :14-17) وهذا على سبيل المثال لا الحصر، وهل يحق لنا أن نسأل عن سبب اعتراضكم على ممارسة الكنيسة للخدمة الاجتماعية؟ نرجو أن لا يكون السبب هو الرغبة فى تحجيم رسالة الكنيسة ومكانتها فى المجتمع لتأكيد تهميش الكيان المسيحى، أو خوفاً من أن تحمل لمسة الرحمة والمحبة رسالة روحية تبشيرية تحتل مكاناً فى قلوب من يتلقونها. أعتقد أن ما قصده الأب متى المسكين هو حركة ما أسموه بالإنجيل الاجتماعى وهى حركة إنسانية بنيت على مبادئ المحبة المسيحية وروحها، ظهرت فى الغرب فى أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر وهى من نتاج حالة الارتداد الروحى التى تعيشها هذه المجتمعات فى أعقاب التمرد الذى حدث على الكنيسة والتمسك بالمغالاة فى الحرية حتى ولو على حساب المبادئ والأخلاقية الدينية، وهذه الحركة كانت تنادى بالاكتفاء بالجزء المادى فى مبدأ الخلاص وهو مساعدة الإنسان فى احتياجاته الإنسانية مثل معالجة الفقر والجوع والجهل والمرض والمضطهدين والأيتام..إلخ دون التعرض لجوهر الرسالة وهو الدعوة للخلاص الروحى من خلال الفداء الذى تم بموت المسيح مصلوباً وقيامته وعدم التبشير بدعوى أنه انتهاك لحرية الإنسان وخصوصيته مع أن دعوة السيد الرب يسوع منذ البداية للخلاص هى دعوه شمولية: "وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل"(يوحنا10: 10). فى فهمى إن القراءة الصحيحة لما تحدث به الأب متى المسكين هو رفضه أن تكتفى الكنسية بتقديم رسالتها الاجتماعية والتخلى عن رسالتها الروحية أو الانشغال بالجانب الاجتماعى على حساب الجوهر وهو الرسالة الروحية. هذا هو ما يجب أن يؤخذ دائماً بعين الاعتبار كي لا تصبح الرسالة الاجتماعية بديلاً للرسالة الروحية، أو أن ينتج عن الانشغال الزائد بالعمل الاجتماعى ابتلاع الرسالة الروحية.
     وأخيراً، رغم تقديرى الكامل لدوافع الأستاذ جمال البنا النبيلة من أجل محاولة احتواء حمى الصراعات العقائدية وإحداث تقارب بين الفريقين، إلا أن الحل لا يجب أن يكون أبداً تقديم تنازلات مخزية من جهة العقيدة. إن الاقتباس الوارد بالمقال الثالث للقس إبراهيم لوقا إنما يعتبر نوعاً من أساليب التلاعب بالألفاظ من جانبه (أى القس) لايصح أن يكون فى الثوابت الإيمانية، ففى الخطاب الدينى لابد أن نكون على أعلى درجة من درجات الشفافية ولا يصح أبداً أن يستخدم المسيحيون المصادر الإسلامية لتقديم أمور خاصة بالعقيدة المسيحية والعكس صحيح أيضاً. لأن كل فريق له أصوله الخاصة به فى علم التفسيرالمرتبطة بالسياق الفكرى العام ومن خلال القرينة أى الظروف التى ذكرت فيها، على سبيل المثال فقد ورد بالمقال من اقتباسكم للقس إبراهيم لوقا: "إن المسيح رسول الله" وهذا قول منقوص يخلو من الشفافية المخلة لمحاولة التقارب واسترضاء الأغلبية لأن الصحيح والثابت لدينا أن السيد المسيح له المجد ليس فقط رسولاً بل هو أكثر من رسول، إنه الله الظاهر فى الجسد "وبالإجماع عظيم هو سر التقوى: الله ظهر فى الجسد" (تيموثاوس الأولى 16:3). كما نرى أن حصر مناقشة الأمور الخاصة بالمسيحيين من جانب الإخوة المسلمين من خلال المصادر الإسلامية فقط أمر غير صحيح لأن القرآن يتحدث عن النصارى وليس عن المسيحيين كما لا يجب حصر فهم المسيحية فى محيطها الضيق فى شبه الجزيرة العربية وفى مساحة زمنية صغيرة هى وقت ظهور الإسلام فقط. فى اعتقادى أن الحل الأمثل والمنطقى والمتحضر هو الأخذ بمبدأ لكم دينكم ولى دينى وتعليم ثقافة قبول الآخر حتى وإن كان مختلفاً عنى وليس بالضرورة الوصول لصياغة توافقية لإحداث التقارب المنشود لأن هذا الأمر من المؤكد أنه سوف يحدث تعدياً على بعض الخصائص المميزة والتى لا يقبل بها أى من الطرفين، وعلى سبيل المثال تجنب بعض المسيحيين استخدام اسم السيد يسوع المسيح والاكتفاء فقط باستخدام لفظ الجلالة الله لمحاولة التوفيق والتقارب مع الأغلبية إنما هو تنازل مخز عن حق أصيل فى العقيدة المسيحية وتفريط فى الأقنوم الثانى أقنوم الابن وما يترتب عليه من مساس بثوابت الإيمان، علينا جميعاً أن نقبل الاعتراف بالحقيقة أن هناك اختلافاً واختلافاً جوهرياً وكل منا يعترف بوحى مختلف عن الذى يقبله الآخر وهذا الاختلاف لا يجب أن يتحول إلى خلاف عدائى بل يقبل كل منا الآخر بما يؤمن به بل ويحترم كل منا الآخر بمعتقداته وخصائصه التى تميزه. أما موضوع اندهاشك من رفض المسيحيين تطبيق الشريعة على المسيحيين رغم استشهادك بمن يؤيد من الأقباط عدم تطبيق الشريعة على المسلمين دون المسيحيين فهؤلاء يقدمون رأيهم الشخصى فهناك قوانين من الشريعة سوف تتعارض مع معتقدات خاصة بالمسيحيين وسوف تحرمهم الشريعة من ممارسة حقوقهم فيها باعتبارهم شركاء فى الوطن منها التبنى والمساواة فى الميراث بين الذكر والأنثى وأمور أخرى كثيرة كما أن هناك اختلافات فقهية كثيرة فى أحكام الشريعة وتفسيرها وسوف نوضع بين كفى رحى ما بين رأى معتدل وآخر متشدد وهذا سلفى..إلخ. فحتى كتابة هذا المقال لست أعلم إن كان ختان الإناث هو من العادات أم العبادات وقس على ذلك فى كثير من القضايا. وعندما هممت بكتابة هذا المقال كنت قد قرأت لكم مقالكم الأول بالمصرى اليوم فى موضوع الشريعة وقد أشرت فى المقال إلى صعوبة هذا الأمر لكثرة الآراء والاختلافات. فى الحقيقة إن هذا الموضوع إنما يسبب لنا كثيراً من القلق والخوف المبرر لأن الأمور الحادثة الآن خير تأييد لنا فى رفضنا ولدينا الكثير من الأحكام التى إن ذكرناها تؤكد التمييز الذى يحدث من خلال أحكام الشريعة لغير المسلمين، فمن خلال حقوق المواطنة ننادى بقوانين وضعية مدنية. وما ذكرت بأن الدول التى تخلت عن القوانين الدينية انحرفت إلى الانحلال فاسمح لنا أن نقول لك أيضاً إن الدول التى تصر على أن تكون دولاً دينية هى أكثر الدول قمعاً وتجاوزاً وإخلالاً بحقوق الإنسان.                
     أخيراً، نشكرك على اهتمامك بالشأن القبطى وعلى حرصك علي تقديم الفهم المسيحى السليم فى عقيدة الثالوث.