|
ليه لما كنت طفل..؟ |
حسن إسماعيل |
|
ملحوظة.. لو عايز تقرأ المقال ده تقرأه بصوت عالي.. زي مود الراوي ليه الواحد وهو طفل كان بيسأل كتير.. وكانت الأسئلة تبان عميقة جداً؟ وعلى سبيل المثال وليس الحصر جينا منين وازاي؟.. وليه الواحد متولدش في اليابان؟ وربنا فين؟ وهو في كائنات تانية في الكون غيرنا؟ الجنة عاملة ازاي.. كلها شجر بس؟ والنار.. والثعبان الأقرع هيعمل في الواحد إيه؟ ما كناش عارفين الفرق بين الهلال والصليب.. الاتنين كانوا مصر ازاي الواحد يعرف إنه بيحب؟ وليه فيه ناس أذكياء وناس أغبياء؟ وليه فيه فقر وجوع وظلم ومرض في الدنيا؟ وليه وليه وليه؟ والعجيبة إن الأسئلة كان شكلها من بره عميق ومُركب، لكن الحقيقة كانت غير كده، من جوه كانت أسئلة طفل.. علامة استفهام قاعدة لوحدها في حتة واسعة وفاضية جداً أي إجابة كانت بترضينا.. كنا بنشبع أسرع من دلوقتي بكتير وكان بق مية بيروي ظمأ أرواحنا الصغيرة جداً.. اللي كانت بحجم المركب الورق اللي كنا بنلعب بيه في المية. كان أبويا.. في عنيه أعظم أب في الدنيا.. وأحن أب رغم إنه كان عصبي لكن في حضنه كنت بنسى نفسي، وأمي كانت أطيب أم في الدنيا.. وأحلى أكل وطبيخ من ايد أمي ما فيش ولا ست تعرف تطبخ زيها، حتى المدرسين.. كان فيهم أساتذة بحس أنهم عارفين كل حاجة في الدنيا.. وكأن الأستاذ كلي العلم، أي سين عندنا ليه جيم عندهم.. كانت لسه إجابتهم إجابات مش فتاوي. ليه حتى العيد.. كان عيد بجد، الجزمة الجديدة واللبس الجديد، وعلم مصر.. وتحية العلم كان ليها طعم أنا فاكر إن كان جسمي بيقشعر وأنا بحيي العلم ، والمريلة والفسحة.. والسندوتشات اللي كان فيها أكل بجد مش كده وكده كله هرمونات، والشقاوة كانت شقاوة أطفال كلها براءة، كنا بنفرح قوي وبنزعل قوي كنت حاسس إن مصر بجد أم الدنيا، وإننا خير أمة أخرجت للناس.. عندنا أخلاق وقيم ونضافة وعمل مش موجودة عند التانيين اللي في الضفة التانية من العالم كنت بستنى شريط منير الجديد وكأنه يوم نجاحي، ونقعد نسمعه لحد ما نحفظه. فاكرين طبعاً "حدوتة مصرية"، فاكرين طبعاً "يا طير يا محني الجناح والريش مين علمك تبكي ولا تغنيش"، كنا ورقة بيضا كل من هب ودب كان يقدر يكتب عليها من غير ما يخبط، ورقة كانت بتصدق كل الناس.. بتحب كل الناس، ورقة مش شايفة غير نص الكوباية المليان وكأنه كل الكباية كل حرف اتكتب علينا نحتنا.. اتشكلنا واتنحتنا بإدين ناس كتير، وعوامل التعرية قامت بالواجب وزيادة. وكبرنا.. وكبرنا.. وكبرنا، ولقينا كل الأسئلة اللي سألناها زي ما هي فاضية ومتملتش.. جعانة ومشبعتش.. عطشانة ومتروتش.. ضالة ومتهدتش.. ايه رأيك في تش؟؟ وكل الإجابات اللي سمعناها.. فضلت تصغر تصغر تصغر.. لحد ما اختفى بعضها وبعضها ولد أسئلة أرخم من الأسئلة الأولى.. وفي إجابات أصبحت نكت وفي منها بقى أساطير زي الغول والعنقاء وأبو رجل مسلوخة حتى صلاح جاهين حلم ولما كبر اكتشف الكدبة الكبيرة اللي عاش فيها وعيشها للمصريين ومات مكتئب مليان شجن حتى أبويا.. بقى في نظري عظيم بس مش أعظم أب في الدنيا وعظمته كمان بقت مـُسببة.. ونقاط ضعفه بقيت عارفها جداً ومقدره بيها، مش عشان تكون جميل لازم تكون ملاك.. لا إطلاقاً. وأمي.. لقيت فيه طباخين رجالة في مطاعم بيطبخوا أحلى منها ده في حاجات أمي عمرها ما تعرف تعملها وعرفت إن موضوع النفس في الأكل ده إجابة طفل عن سؤال طفولي النفس كان يعني إن فيه سر عند أمي بس مش عند حد تاني طلع السر موجود عند ناس كتير ومطلعش نفس ولا سر ولا حاجة والعلبة ما فيهاش فيل، "والختم في الدرج.. بجد الختم في الدرج"، حتى المدرسين طلعوا مش WOW زي ما كنت فاكر، وإن العلم عندنا لسه بيحبي. زمان كنت بشرب بيبسي وصودا ليمون شويبس، دلوقت بيقنعونا نشرب بول الإبل، ومصر.. ياااااه يا مصر النهارده لو شالوا اسم مصر وحطوا السعودية فيه ناس مش هتاخد بالها، بالعكس ده يمكن فيه ناس تفرح وتنبسط. هرم طفولتي اتقلب .. ويا ريته اتقلب.. ده بقى مربع.. سانبوكسة.. سريالي الجوهر حاجة كده من بعد الحداثة. فاكرين دوستويفسكي.. وتلستوي.. وسارتر.. وسور الأزبكية، أول مرة قريت مسرحية "الذباب" لسارتر اشترتها من سور الأزبكية .. كانت أيام جميلة.. ورياح عميقة بتهب على كيان طفل بسيط جداً، ومزيكا موتسارت.. وشعر "أمل دنقل"، حاجة كانت زي الطوفان بيتفجر تحت أقدامنا في فيلم أبيض وأسود اتنحتنا.. احنا جيل يمكن يكون محظوظ اتنحت hand made وبعوامل التقنية الحديثة جداً وشفنا العالم كبير جداً وقطبين يسار ويمين بياكلوا بعض وشفنا العالم قرية صغيرة برضه بياكل في بعضه. أجمل حاجة بعد كل التاريخ ده .. إن الإنسان هناك كائن بيتعلم من أخطائه لكن هنا.. لسه كل يوم بياكل من شجرة معرفة الخير والشر بكل نهم وطفاسة وبيحلم في الفردوس.. وبيعيش في الهاوية ولسه الممنوع مرغوب ولسه الأغاني ممكنة ولسه بالتضاد تُـعرف الأشياء ولسه الديالكتيك بيولد التطور.. ولسه العلم بينتصر والخرافة لسه بتشتغل وبتاكل عيش ولسه فيه أمراء ولسه فيه قطيع وعبيد ولسه المعبد بيقبل قرابين ولسه صندوق النذور مليان فلوس ودموع ولسه فيه ناس بترتشي.. وناس تحت خط الفقر وخط الحياة وناس فوق في البرج العاجي وناس بتموت في سريرها وناس بتنتحر ولسه فيه ناس بتحب بجد.. لسه فصل الربيع شغال والخريف مستقلش مد جزر.. وجزر مد وحروب بحق وحقيق.. وحروب طواحين الهوا وأصبحت الحياة في مصر اللي لبست جلبية وشبشب زنوبة زي النهر.. زي النيل.. قصدي زي الصرف الصحي مش بس ممكن تنزله مرتين.. لا ده ممكن تشرب منه.. وتزرع منه وتتسرطن منه! يااااه اتغيرنا قوي.. كنا إيه وبقينا إيه ويا عالم بكره الوطن اللي بنصحى الصبح نرش قدامه بجردل المية علشان ربنا يرزقنا ونقول يا فتاح يا عليم.. يا رزاق يا كريم، كنا صحاب وطن زمان النهاردة كلنا شاعرين اننا أغراب الغرية بقت بجد فينا جوانا أو برانا فينا.
|
|
|
|