التعليق:
الاسم:
عنوان التعليق:
المرسل إليه:
الاسم:

حركة الجماهير.. وحلم التغيير


محسن قلادة



     الثورة البرتقالية (2004-2005) هي التي اندلعت في أوكرانيا بسبب الصراع حول السلطة بشكل أدى إلى دفع العملية السياسية إلى ما يشبه حالة الاختناق، بسبب التجاذبات بين طرفين، هما: الطرف الأول: رئيس الجمهورية فيكتور يوشيشينكو، وحليفة زعيم كتلة المعارضة البرلمانية (الأقلية) يوليا تيموشينكو. الطرف الثاني: رئيس الوزراء فيكتور يانوكوفيتش وحلفاؤه زعماء كتلة الأغلبية البرلمانية.
     اجتمع في ميدان الاستقلال حوالي مليون شخص. كان من الواضح أن السلطة كانت واثقة من عدم نزول الشعب إلى الشارع، لأنها قد زرعت الرعب في قلوب الناس، وكانت هناك معطيات أكدت على ضرورة القيام بثورة سليمة، لأن القيام بثورة مسلحة يعنى شراء الأسلحة وتخزينها سراً ولا يريد أحد القيام بذلك. لذلك، كان لابد من الاعتماد على خروج الجماهير جماعياً وسلمياً إلى الشوارع.
     هذا الحدث التاريخى ليس بعيد زمنياً، فهو حدث منذ ما يقارب خمسة أعوام فقط ولكن الكثيرين يرون أنه بعيد عنا جداً من حيث تطبيقه فى الواقع المصرى، وربما لديهم كل الحق.. ولكن لاحظ معى هذه المعلومة، وهى معلومة من أجهزة الدولة الرسمية: (إن عدد الجماهير التى خرجت للاحتفال بانتصارات المنتخب الوطنى لكرة القدم قد قارب 15 مليون مواطن). إلى هنا انتهت المعلومة، ولكن دعنا نقرأ المعلومة بشىء من الهدوء وسنلاحظ التالى:
     أن هذه الجماهير لم يصدر عنها حادثة تخريب واحدة.
     أن هذه الجماهير لم يحدث بينها احتكاكات طائفية بسب الجنس أو الدين. (كان المسيحيون والبهائيون والشيعة والنوبيون والنساء بين الجماهير).
     أن هذه الجماهير ظلت فى الشوارع حتى فجر اليوم التالى (ما يقارب 6 ساعات).
     أن هذه الجماهير خرجت وبنفس العدد تقريباً فى يومين، يوم فوزنا على الجزائر ويوم فوزنا على غانا وحصولنا على البطولة بفارق زمنى 3 أيام بين المناسبتين.
     ومن هذه الملاحظات يتضح لنا أن هذه الجماهير لم يدفعها أحد سواء فرداً أو مؤسسة أو حركة أو حزباً للخروج، ولكنها خرجت بتلقائية شديدة، وهذا يضعنا أمام التساؤل الأساسى: كيف خرجت هذه الجماهير؟ والإجابة الطبيعية أنها خرجت لتعبر عن فرحتها وبهجتها بالفوز، ولكن هل هذه الجماهير غير الجماهير التى تعانى من الفساد الاقتصادى والظلم السياسى والاجتماعى؟ هل هذه الجماهير غير تلك الجماهير التى تضمنا وتمثلنا تحت مسمى الجماهير المصرية؟ وتأتى الإجابة لا بالطبع، هى نفس الجماهير وهى شريحة من نفس النسيج، إذاً لماذا لا تخرج هذه الجماهير وبهذه الأعداد للمطالبة بالتغيير، وخاصة ونحن فى هذه السنة والسنة القادمة نملك فرصة ذهبية لوضع قواعد جديدة ومميزة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية.
     وهناك من وجهة نظرى إجابتان عن هذا السؤال:
     الإجابة الأولى: بسيطة ومباشرة وصادمة وتتمثل فى الخوف الأمنى، فالجماهير التى خرجت للاحتفال بفوز مصر كانت تعلم تماماً أن الأمن لن يعترض مسيراتها وأنها لا تمثل أى تهديد أمنى يذكر، وهذا يؤكد حقيقة أننا دولة بوليسية محكومة بقبضة الأمن أكثر من كونها محكومة بمبادئ الديمقراطية والعمل السياسى.
     الإجابة الثانية: هذه الجماهير خرجت لأنها تحب كرة القدم وهذا صحيح، ولكنها تحب كرة القدم ليس لكونها مجرد لعبة ولكنها البديل المنطقى لحلم المواطنين فى الانتصار والإنجاز والذى يفتقدونه فى واقعهم السياسى، فكرة القدم تتمثل فيها العناصر المفتقدة فى الحياة السياسية للمصريين وهى من وجهة نظرى كالتالى:
     الشفافية والمحاسبة:
    إن المنتخب الوطنى يخضع للرقابة والمحاسبة من المجلس القومى للرياضة، فهناك خطة وهناك أهداف، ويتم محاسبة المنتخب على أدائه وكيفية تحقيقه لهذه الأهداف، والمنتخب يخضع للرقابة الجماهيرية من خلال المتابعة الإعلامية المستمرة لكل كبيرة وصغيرة تدور داخل المنتخب.
     تداول السلطة:
    الجهاز الإدارى والتدريبى للمنتخب الوطنى ليس له صلاحية الاستمرار للأبد بل يخضع لعملية الإقالة أو الاستقالة فى حالة عدم نجاحه فى تحقيق الأهداف الموضوعة فى الخطة، كما أن الجهاز يخضع لمراقبة وإشراف الاتحاد المصرى لكرة القدم والذى يدار بطريقة ديمقراطية من خلال عملية انتخابات تخضع لكل شروط النزاهة والشفافية.
    المواطنة:
    وهنا نقصد بها المساواة التامة بين اللاعبين، فلا توجد وساطة أو محسوبية بل ما يحكم اختيار وتواجد اللاعب فى المنتخب هو مدى إمكانية استفادة المنتخب منه، وقد رأينا نجوماً كباراً خارج المنتخب، وعلى الرغم من ذلك لم يستطع شخص أو جهة فرض تواجد هؤلاء النجوم دون إرادة الجهاز الفنى للمنتخب.
     ربما لا يتفق الكثيرون معى فى رؤية الأمر على هذا الشكل، ولكن الحقيقة هى أن واقع الأمر هكذا سواء كنا نعى ذلك أو لا نعيه، والقصد هنا أن هذه الجماهير التى تحركت واحتشدت لتحتفل بالمنتخب هى نفس الجماهير التى يمكن أن تحتشد وبنفس الطريقة السليمة إذا أيقنت أو تأكدت أن العملية السياسية ستمارس بشكل ديمقراطى وحقيقى، وأن هناك إمكانية لأن يكون لها تأثير حقيقى وفعال فى صناعة القرار أو فى تغيير الأحداث السياسية.
    وهنا نجد أنفسنا فى موقف محير، فنحن نحتاج حركة الجماهير لصناعة التغيير السياسى، والجماهير تحتاج للتأكيد على أن العملية السياسية ستتوفر بها العناصر الأساسية التى تم ذكرها من شفافية وتداول للسلطة ومواطنة، لذا لا يبقى لنا مخرج من هذا المأزق - الذى يشبه لغز الدجاجة والبيضة – سوى بأن تتواجد حركات تتلاحم مع الجماهير وتدفعها للتحرك وتكسر لديها حاجز الخوف الأمنى، ومن المعروف أن الثورة البرتقالية كانت هناك حركات تحركها أبرزها حركة (حان الوقت) الأوكرانية، وربما لدينا نظير لها وهى (حركة كفاية) المصرية، ولكن يبقى السؤال: هل ستتمكن حركة كفاية أو غيرها من إقناع الجماهير بالتحرك؟ ونحن على يقين أنه عندما تتحرك الجماهير لابد أن يحدث التغيير، إن كان مليون مواطن ساهموا بل صنعوا تاريخاً جديداً لأوكرانيا فما بالك بـ 15 مليون ترى ما الذى لا يقدرون عليه؟!