التعليق:
الاسم:
عنوان التعليق:
المرسل إليه:
الاسم:

مصطفى كامل وتاريخ فكر المؤامرة



مدحت بشاي
M_beshay53@hotmail.com



     إلى من يبحثون عن جذور السعي إلى الدولة الدينية عبر تكريس مفاهيم شديدة الغرابة، أدعوهم إلى التوقف مع واحدة من مقالات مصطفى كامل زعيم الحزب الوطني في زمن الاحتلال بجريدة اللواء لإعادة قراءة صفحات من أوراق التاريخ.. والمقال جاء تحت عنوان: "الدين والسياسة" بالعدد 37 من أعداد الجريدة وبتاريخ 12 فبراير 1900، أي منذ أكثر من قرن من الزمان.. يقول مصطفى كامل: "أوضحنا في مقالات متعددة أن الدين والسياسة توأمان لا يفترقان بالبراهين المحسوسة والدلائل القوية. إن الدول الأوروبية لم تنل من المدنية والمجد والسلطة ما نالت إلا باعتمادها على مبادئ الدين في سياستها حتى صح أن تسمى السياسة الأوروبية بالسياسة المسيحية لكونها ترقى دائماً إلى رفع شأن الدين المسيحي على غيره من الأديان وتجعل رجاله آلة قوية في الشرق الأدنى والأقصى لبلوغ غاياتها السياسية ومآربها المختلفة.. ومن يتصفح تاريخ الدولة العلية ويمعن النظر في أحوالها من أول يوم وضع فيه أساسها إلى هذا اليوم يجد أن أوروبا لم تحاربها إلا بسبب الدين ولم تتدخل في شؤونها الداخلية إلا بدعوى نصرة الدين ولم تعادها إلا لأنها دولة إسلامية.. وكأن الدول الأوروبية علمت أننا إذا تمسكنا بالدين استرجعنا قوتنا وعظمتنا فتراها تعمل ما في وسعها لإبعادنا عن مبادئ ديننا، وصنائع أوروبا في الشرق لا يكرهون شيئاً مثل مقام خطباء الإسلام وكتابه بدعوة المسلمين إلى التمسك بدينهم الكريم والعمل لإحياء مبادئه الشريفة الظاهرة التي قهرناها بجهلنا واستسلامنا للأجانب والأعداء.. ويسأل مصطفى كامل هل بعد إعلان كتاب أوروبا وخطبائها وساستها لأفكارهم بشأن ارتباط السياسة بالدين هذا الارتباط المكين (من وجهة نظره) يستطيع أحد أن ينكر علينا وجود هذا الارتباط؟"
     وأرى أن هذا النص بحروفه ومعانيه ودلالاته لابد أن يدفعني والقارئ بالضرورة لطرح علامات الاستفهام التالية:
     • كيف يمكن تفهم أن يصدر عن زعيم بقامة مصطفى كامل القول بأن الدول الأوروبية لم تنل من المدنية والمجد والسلطة ما نالت إلا باعتمادها على مبادئ الدين، في تجاهل تام لدور العلم والأخذ بكل أسباب التقدم من تحديث لمنظومة التعليم والبحث والعمل الجاد والإتقان وغيرها من محفزات الإنتاج المبهر للتقنيات الحديثة؟! وأرى أن مبعث التساؤل أن مصطفى كامل زعيم الحزب الوطني هو أحد أهم الداعمين والداعين لإنشاء أول جامعة مصرية على أرض المحروسة، ولم نقرأ أن تلك الدعوة لإقامة هذا الصرح التاريخي بدأت بمنطلق ديني من جماعة أو مؤسسة دينية، وبرؤية أخرى هل إنشاء جامعة كان بغرض دعم القيم الدينية؟!
     • كيف يمكن قبول تأكيد رجل سياسي التكوين وزعيم حزب على أن من يتصفح تاريخ الدولة العلية ويمعن النظر في أحوالها من أول يوم وضع فيه أساسها إلى هذا اليوم يجد أن أوروبا لم تحاربها إلا بسبب الدين، ولم تتدخل في شئونها الداخلية إلا بدعوى نصرة الدين ولم تعادها إلا لأنها دولة إسلامية؟ هكذا وببساطة يوجز الزعيم قصة الاحتلال البريطاني لبلاده ويرجعه لسبب ديني ودون أي اعتبار لأطماع سياسية وتوسعية لإمبراطورية ذلك الزمان ؟!
     • كيف يمكن أن نقبل إعلان زعيم وطني لرفض احتلال دولة ما لبلاده وقبول احتلال دولة أخرى، بل ويعلن عظيم الولاء لرموز هذا الاحتلال على أساس وحدة الدين؟!
     • كيف يمكن تفهم سفر زعيم وطني إلى بلاد الفرنجة بدعوى دفع الظلم الواقع على بلاده، ومطالبته بالاستقلال ويكون حديثه الغالب في هذا الصدد عن البواعث الدينية التي دفعت المحتل لاحتلال دولة أخرى، وعلى صعيد آخر يتحدث عن أن التدين هو الباعث على التقدم، فهل ينفي عن أهل بلده حالة من التدين تحفزه على تحقيق التقدم؟!
     أخيراً أرى أن البحث في أوراق الزعيم وغيرها من الأوراق التاريخية قد تكشف أن لنا تاريخاً في تعميد فكر المؤامرة على حساب التحليل والتوصيف العلمي لأحوالنا ومشاكلنا، وغياب البحث عن السبل الحقيقية للوصول إلى مجتمع منتج يحقق على الأقل حدود الأمان الإنساني في أن يتوفر للناس على أرض المحروسة كل احتياجاتهم المعرفية والثقافية والغذائية والحياتية بشكل عام..
    وإلى من يسألون عن دولة القانون ودولة الحلول المدنية، ألا ترون أن لبلادنا تراثاً غير طيب في مجال البحث عن الحلول الدينية ومن قبل حتى من تصورنا أنهم زعماء تنوير؟!