التعليق:
الاسم:
عنوان التعليق:
المرسل إليه:
الاسم:

هل  تظنين أن ديننا هو الدين الصحيح؟


مرثا بشارة


     بالتأكيد. كان هذا سؤال ابنتي، لكن ما فاجأني حقاً هو جوابها الذي فاق تصورات الطفولة عمقاً وسني أيامها آماداً، إذ قالت: إن أصحاب كل دين يدعون دائماً بأنهم على دين الحق، فمن أين لنا أن نعرف إن كنا نتبع الدين الصحيح أم لا؟ حينها جاهدت حتى أستجمع شتات ذهني المتبعثر من جراء هذا السؤال الصادم، وما  أسعفني حينها هو تذكري لكلام الوحي المبارك، إذ تقول الوصية الإلهية: (فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية) موضحة لها أن الله الحكيم العليم أعطانا  العقل وأوصانا أن نستخدمه في البحث عن  الحق أينما وجد، إلا أنها فاجأتني بسؤال آخر أشد  ضراوة، إذ قالت: وإذا وجدت الحق في غير ديننا، فهل ستسمحون لي أن أتركه؟! عندها صمت حتي أبحث عن مخرج منطقي من هذا المأزق، فأنا لا أجيد التقية  ولست من هواتها، فما كان مني إلا أن أجبتها  إجابة مقتضبة: إن وجدته فليكن، لكن لست أظن أنك ستجدينه في غير ديننا. صمتت ابنتي لكن السؤال لم يصمت بداخلي، فبالفعل كل يدعي أنه على دين الحق بل وينشئ أبناءه على اتباع  نفس الدين بطريقة آلية، فينشأون وكأنهم آلات مبرمجة، والويل كل الويل لمن يفكر في الخروج عن هذا  المسار الآلي، وكأننا أتينا لهذا العالم لنعيش  كالقطيع ومن يحاول أن يفكر أو لأمره يتدبر فهناك مقصلة العقل تنتظر.
     ألم يفكر كل الذين يفرضون الدين قسراً وإكراهاً على أبنائهم ظناً بأن في ذلك  مرضاة لله وطاعة لأوامره، أنهم بذلك يتركون ناراً تحت الرماد؟ نار فكر مشتعل يبحث عن طوق نجاة، يلتمس من يرشده  للحق؟ ألم  يتفكروا يوماً إن كانوا هم أنفسهم على حق أم لا؟ لقد تساءل الكاتب والمفكر عبدالله القصيمي قائلاً: (هل مذهبك أو ربك أفضل من مذهب أو رب جارك وخصمك بالاختيار والذكاء أم بالقدر؟) إنه ليس مجرد سؤال عابر كباقي الأسئلة، إنما سؤال غاية في الأهمية، بل قضية جوهرية في حياة كل منا، أين نسير؟ أي  طريق نتبع؟ أي عقيدة  نعتنق؟ هل بالفعل مذهبنا أفضل من مذاهب  الآخرين وربنا أفضل من ربهم؟ هل نحن مخيرون اخترنا  بكامل حريتنا وإرادتنا مذهبنا وربنا؟ أم مسيرون ألقت بنا الأقدار على أرض هذا الدين أو ذاك، فصرنا نشربه  كالماء وصار هويتنا وعنواننا دون تفكير  في هويته أو محتواه، وجعلنا من أنفسنا جنوداً له نقاتل الآخرين لأجله، نحقرهم ونضطهدهم لعدم اتباعه واهمين أن هذا يرضي الله، جاهلين أن الله لا يخدم بأيدي الناس.
     إن الله إن لم أسأله فيعلمني وأحاجيه فبالحب يقنعني وإن لم يحب العالم كله حتي يبذل ويعطي لكل خلائقه دون تمييز فهو ليس إلهاً!! هذا هو ما ناقشناه سوياً أنا وابنتي، دون إكراه لها أو إجبار أن تقتنع بما أنا قانعة به أو أن تخضع للإيمان بما أؤمن به، هذا لأن الله جل جلاله على الأرض وفي السموات لم يهب لنا الأبناء ليكونوا ملكية خانعة مستعبدة الفكر والقول والفعل، لم يخلقنا وإياهم معصوبي العقول بل منحنا عقلاً مفكراً متدبراً وأشار علينا أن نختار الحياة، لكنه ترك لنا حق الاختيار بين طريق الحياة وطريق الموت، إذاً ليحاكم كل منا معتقداته دون خوف من الذين يقتلون الجسد أما الروح فلا يقدرون.
فلنحاكم معتقداتنا