التعليق:
الاسم:
عنوان التعليق:
المرسل إليه:
الاسم:

هل تنبأ إرميا عن تحويل القبلة من المسجد الأقصى للمسجد الحرام؟


د. فريز صموئيل



    1. النص:
    فأوحى الرب إلي قائلاً:
     قبلما شكلتك في أحشاء أمك عرفتك، وقبلما ولدت أفرزتك، وأقمتك نبياً للأمم فقلت: آه، أيها السيد الرب إني لا أعرف ماذا أقول، لأني ما زلت ولداً، ولكن الرب أجابني: لا تقل إني لست سوى ولد، لأنك ستذهب إلى كل من أبعث بك إليه، وتنطق بكل ما آمرك به. لا تخف من حضرتهم لأني أنا معك لأنقذك، ثم مد الرب يده ولمس فمي وقال: ها أنا أضع كلماتي في فمك. انظر، ها أنا قد وليتك على أمم وشعوب لتستأصل وتهدم وتبدد وتقلب وتبني وتغرس. وسألني الرب: «ماذا ترى يا إرميا؟» فأجبت: أرى غصن لوز.
    فقال لي الرب: "قد أحسنت الرؤية، لأني ساهر على كلمتي لأتممها".
    وعاد الرب يسألني مرة أخرى: «ماذا ترى؟» فأجبت: أرى قدراً تغلي، ووجهها متحول عن الشمال نحو الجنوب.
    اقتبس الأستاذ محمد ياسين محمد النص السابق من كتاب الحياة "الترجمة التفسيرية للكتاب المقدس" ثم أضاف التعليق التالي:
النبوءة التي أمامنا تتحدث عن ستة أمور:
    1. ظهور نبي عظيم الشأن "ار 1: 5"
    2. يرسله الله لأجناس الناس والأمم كلها "1: 5"
    3. وينطق بما يأمره الله وأنه الله ينقذه ببطش أعدائه "ار 1 :7"
    4. وينزل الله عليه كتاباً منطوقاً يتلى "ار 1: 9"
    5. ويوليه الله الحكم "ار 1: 10"
   6. وأن وجوه العابدين وقبلتهم تتحول من الشمال نحو الجنوب "ار 1: 13"
    إن نبوءة إرميا تتحدث عن المعزي المسيا الرئيس وكل ما ذكر بنبوءة إرميا تحقق في رسول الله محمد.
    ويرى الكاتب أن النص نبوءة عن محمد لأنه مرسل لكل أمم الأرض، وأن الله أنزل عليه القرآن منطوقاً بلفظه وطريقة تلاوته. ثم يضيف: إن ما جاء في إرميا 1: 13 يحدثنا عن واقعة تحويل القبلة من المسجد الأقصى بيت المقدس في الشمال إلى الكعبة المسجد الحرام بمكة في الجنوب فقد كانت قبلة المسلمين في بادئ الأمر نحو المسجد الأقصى بالقدس إلى أن جاء الأمر من الله لرسوله محمد أن تتحول القبلة إلى المسجد الحرام بمكة، وبشارة يسوع تؤكد أن نبوءة تحويل قبلة عبادة الله من أورشليم القدس إلى مكان آخر، فقد جاء في كتاب يوحنا أن امرأة سامرية تقول ليسوع "آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه. قال لها يسوع : يا امرأة صدقيني إنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون. وهذا إعلان بأن القبلة ستتحول من بيت المقدس ولا يكون ذلك طبعاً إلا على يد رسول وبأمر من الله.
    ثم يضيف: "إننا لا نخوض صراع نبوات مع المفسرين المسيحيين، ولكنهم يخفون الحق عنكم ويظهرون الباطل لكم وبذلك يضلونكم.. إنهم من فرط عمى بصيرتهم قالوا لكم إن نبوءة إرميا هذه عن يسوع تخيل" (حقيقة ملكوت الله في الكتاب المقدس، ص 111 – 116)
     التعليق:
     سفر إرميا ينسب إلى نبي الله إرميا الذي عاش في مملكة يهوذا في القرن السابع قبل الميلاد، وقد كانت دعوة الله إلى إرميا لبدء خدمته النبوية سنة 627 قبل الميلاد، وفي الفترة من 626 – 621 ركز إرميا في دعوته على تحذير مملكة يهوذا من خطر الغزو القادم من الشمال وهو الغزو البابلي، ففي عام 671 ق .م تحالف البابليون مع مادي وبدأوا في شن الهجمات على كل المدن الآشورية، وتم فتح العاصمة آشور سنة 614 ق.م. وفي عام 598 ق.م قام الجيش البابلي بالهجوم على فلسطين، وفي عام 587 ق.م قهر الجيش البابلي مدن مملكة يهوذا الحصينة واحدة وراء الأخرى واستولى على أورشليم، وبذلك انتهت مملكة يهوذا.
    وفي النص الذي اقتبسه الكاتب "ار 1: 4 – 13" نرى:
    1. تأكيد الله لدعوة إرميا لحمل الرسالة النبوية، ويعلن له أنه قد اختاره نبياً للشعوب وأنه قد رتب كل هذا منذ أن صوره في البطن إلى أن أعده وفرزه لهذا العمل.
    2. يحتج أرميا بصغر سنه وقلة خبرته ولكن الله يشجعه بالقول لا تخف لأنه سوف يسانده في المهام الموكلة إليه ويلمس فمه. وبذلك أصبح إرميا على استعداد لبدء خدمته النبوية لإعلان إرادة الله لكل الأمم. وتظهر عالمية دعوة إرميا بوضوح فيه "ار 25 : 19 – 25" ويعلن له الله بأن كل ما هو فاسد في الأمة يجب أن يقلع وينزع وبعد ذلك يتم الغرس والبناء من جديد.
    3. في أوائل خدمته رأى إرميا رؤيتين، الثانية منهما موضوع تعليقنا هنا. فهو يرى "قدراً" أي وعاء كبيراً يستخدم للطهي، موضوعاً على جمر متوهج. وكانت "القدر" وجهها من جهة الشمال موحياً بأن محتوياتها سوف تنقلب من ناحية الجنوب "من سوريا إلى فلسطين". وهو هنا لا يتحدث عن تغيير قبلة المسجد الأقصى من الشمال إلى المسجد الحرام في مكة في الجنوب، ولكنه يقدم أول إشارة نبوية تحذر من الشر والخطر القادم من الشمال على مملكة يهوذا في الجنوب. والدليل على ذلك ما جاء في السفر نفسه، ونقتبس هذه النصوص من كتاب الحياة الذي اقتبس منه الكاتب، فقد جاء:
    • ارفعوا الراية داعين للجوء إلى صهيون، لوذوا بمأمن، لا تتقاعسوا لأني جالب عليكم من الشمال دماراً وخراباً "ار 4 :6"
    • لوذوا بالنجاة يا ذرية بنيامين واهربوا من وسط أورشليم لأن الشر قد أقبل من الشمال ليعيث في الأرض خراباً "ار 6 : 1"
    • انظروا ها شعب زاحف من الشمال وأمة عظيمة تهب من أقاصي "ار 6: 22"
    • اسمعوا ها أخبار تتواتر عن جيش عظيم مقبل من الشمال ليحول مدن يهوذا إلى خرائب "ار 10: 22"
    ويوضح لنا النبي إرميا سبب هذا الغزو "وإن سألت في نفسك لماذا ابتليت بهذه الأمور؟ إنها عاقبة كثرة آثامك "ار 13: 22" فقد كان هؤلاء الغزاة هم أدوات تنفيذ قضاء الله على مملكة يهوذا على جريمتهم باتباع الآلهة الوثنية.
    إذاً النص لا يتحدث عن محمد بل عن إرميا نفسه، ولا يتحدث عن تغيير القبلة بل عن الغزو البابلي القادم من الشمال "تفسير سفر إرميا، ر . ك . هاريسون، تعريب إدوار وديع"
    4. لم يقل أحد من المفسرين المسيحيين –حسب معرفتي- إن هذا النص نبوة عن المسيح، ولذلك فقول الكاتب: "إن المفسرين المسيحيين لفرط عمى بصيرتهم قالوا إن هذا عن المسيح" هو ادعاء كاذب.
    5. قول الكاتب إن المسيح أخبر عن تحويل القبلة في حديثه مع المرأة السامرية هو أيضاً ادعاء كاذب.
    النص قد جاء في (يو 4 : 19 – 24) وفيه نرى:
    امرأة سامرية "أي من السامرة" تقول للمسيح– باعتباره شخصاً يهودياً- آباؤنا قد سجدوا في الهيكل الذي على جبل جرزيم واليهود يقولون إن السجود في الهيكل الذي في أورشليم. فقال لها المسيح: تأتي ساعة وهي الآن.. أي في الوقت الذي تحدث فيه المسيح إليها ثم أخبرها أن الله روح والسجود الحقيقي لله أوسع من أن يحصره مكان، والعابدون الحقيقيون بالروح والحق ينبغي أن يسجدوا.
    فالمسيح هنا يتحدث عن عبادة حقيقية لله وليس عن تغيير قبلة من مكان إلى مكان. وإذا كان هناك تغيير فإنه قد تم بمجيء المسيح، وليس هناك مجال لحديث عن نبوة ستحدث بعد مئات السنين.
    وبالتالي فاستدلال الكاتب بما قاله إرميا أو ما قاله المسيح، لا أقول كما قال هو إنه عمى بصيرة، ولكنه ادعاء كاذب وتفسير غير صحيح للنص.