التعليق:
الاسم:
عنوان التعليق:
المرسل إليه:
الاسم:

د. وليم ويصا في حوار مع الطريق والحق

أطالب الشباب القبطي بعدم الرد علي العنف بالعنف والوقوف في منحني سياسي
مطالبة الرئيس للكنيسة والأزهر بتجديد الخطاب الديني يوحي بتوازن وهمي غير مقبول
القول بأن مشاكل الأقباط هي مشاكل كل المصريين هو تبسيط مخل لمشاكلهم


حاورته/ حكمت حنا


 


     قبل سفره لفرنسا بيوم واحد حرصت على الالتقاء به، بعد مقابلتي له للمرة الأولى في أحد مكاتب المحامين. ورغم ضيق وقته، إلا أنه استقبل طلبي لإجراء حوار معه بسعة صدر. ورغم أن دكتور وليم ويصا حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون في فنون الاتصال والتعبير، وشغل رئاسة القسم العربي بإذاعة فرنسا، وتولى رئاسة تحرير قسم اللغة العربية بالتليفزيون الأوروبي بعد أن قام بإنشائه، لكني وجدت فيه بساطة الشخصية وسلاسة الاسلوب، حتى أنك تلمس في شخصه حماس الصحفي الذي مازال يسعي للوصول للمعلومة وحرصه الشديد على الرد الواضح على كل سؤال يوجه له بعباراته المنتقاة، التي أضافت لي الكثير في طريقة توضيحه وتبسيطه لشرح معاناة أقباط مصر وسبب المناخ العدائي تجاههم ودور الإعلام في تعمية الحقائق واستقالة القضاء المصري الذي لم يعاقب أي جان إلى الآن في 160 واقعة اعتداء على الأقباط. وتطرق الحديث لملف أقباط المهجر وتغير موقفه من دكتور سعد الدين إبراهيم ليوضح في النهاية أنه متشائم من القادم لتوقع المزيد من المذابح، فكان حواري معه إضافة لرصيدي الصحفي ورصيدي الشخصي على المستوى التعليمي والمعرفي.


     أي وصف تحب أن يطلق عليك، الصحفي أم أحد قادة أقباط المهجر؟ وهل أنت متجه لممارسة العمل السياسي؟
     أنا لا أحب تعبير أقباط المهجر لأن السلطة في مصر وأجهزة دعايتها تلصق به اتهامات غير صحيحة. وأنا كاتب صحفي وناشط حقوقي، لا أعبر إلا عن نفسي، ولم يختارني أحد للتعبير عنه. وممارساتي في مجال حقوق الإنسان تستند لضميري وقناعاتي الشخصية وهي تتجه للدفاع عن حقوق الإنسان للمصريين بشكل عام وعن حقوق الأقباط بشكل خاص وفقا لبنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وأنا لا أسعي لأي زعامة سياسية، كما أنني لست عضوا في أية منظمة أو هيئة ما عدا نقابة الصحفيين المصرية ونقابة الصحفيين الفرنسية.
     لماذا ينظر لأقباط المهجر باستياء؟
     لأن الحكومة المصرية العاجزة عن تقديم الحلول لمشاكل المصريين بشكل عام ومشاكل الأقباط بشكل خاص، تشن حملات مغرضة وكاذبة ضدهم، لأنهم يطالبون باحترام حقوق الإنسان وتحقيق العدل والمساواة للأقباط في وطنهم، واعتادت من خلال أجهزة دعايتها أن تصفهم بالخونة والعملاء والقلة المأجورة إلي آخر هذه الأغاني الكئيبة التي يرددونها كلما تحدث الأقباط في الخارج أو عقدوا المؤتمرات للدفاع عن أشقائهم في الوطن. ثم دعيني أتساءل لماذا لا نسمي المصريين المسلمين الموجودين بالخارج بمسلمي المهجر، وهم أيضا يعيشون في كندا وأوروبا وأمريكا ودول الخليج، والكثير منهم ترتفع أصواتهم بالاحتجاج علي انتهاك حقوق الإنسان في مصر؟
     ماذا فعل أقباط الخارج لأقباط الداخل؟ وألا تعتبر مؤتمراتهم بعد الأحداث الطائفية مجرد فرقعة؟
     الأقباط المصريون بالخارج من حقهم أن يساندوا أشقاءهم داخل الوطن أياً كانوا أقباطاً أو غير أقباط، والمنحنى الذي يقف عليه أقباط الخارج هو منحنى سياسي يطالب باحترام الحقوق والحريات للجميع، مع الأخذ في الاعتبار أن مشاكل الأقباط لها طبيعة خاصة. لأن القول بأن مشاكل الأقباط هي مشاكل كل المصريين هو تبسيط مخل، إذ مع التسليم بأنهم يعانون من أزمة السكن والبطالة والغلاء مثل كثيرين من المصريين، إلا أن لهم مشاكل ذات طبيعة خاصة تتعلق ببناء دور العبادة، وفي هذا المجال هناك إهدار لحقوق الأقباط في ممارسة شعائرهم الدينية وتمييز واضطهاد تمارسه الدولة وأجهزتها ضدهم حيث تسمح الدولة لشقيقي المسلم بالصلاة دون ترخيص ولكن القبطي يحتاج لترخيص لممارسة شعائره وهذا يمثل اضطهادا وعنصرية من الدولة وأجهزتها. وهناك أيضا تغييب الأقباط الممنهج  عن تولي مراكز رفيعة في أجهزة الدولة، وهناك أيضا غياب العدل في كافة القضايا التي تعرض فيها الأقباط للاعتداء. إن أقباط الخارج يطالبون بتحقيق العدل والمساواة لأشقائهم واحترام حقوق الأقليات بشكل عام، كل الأقليات في مصر حيث تعاني الأقليات الأخرى أيضا من تمييز واضطهاد صارخ، ومن حقهم أن يعقدوا المؤتمرات وان يقدموا رؤيتهم من أجل الحلول ولكن المشكلة تكمن في العقلية الأحادية وذهنية التحريم التي ترفض التعددية في مصر، ومن يخرج عن هذه العقلية وهذه الذهنية يعتبر عميلاً وخائناً.
    وهل تحركات أقباط الخارج مجدية في النهاية لأقباط مصر؟
     نعم مجدية، لأنها تحدث قدراً من الوعي عند الناس وخاصة الأقباط في التوعية بمشاكلهم وضرورة سعيهم للحصول علي حقوقهم، ثم ما هو البديل؟ هل المطلوب أن نصمت؟ إن عقد المؤتمرات وسيلة من وسائل التعبير عن الموقف التي تتيحها الأوضاع في الديموقراطيات التي يعيش فيها أقباط الخارج، ومن حق المصريين جميعا أقباطا ومسلمين أن يستخدموا الوسائل المتاحة أمامهم لمناقشة مشاكل أشقائهم في مصر.
      ولكن ألا تري أن عمل الأقباط في الخارج يغلب عليه الانقسام؟
      أتمنى أن يكون هناك كيان موحد للأقباط بالخارج، سيكون أكثر فاعلية وأكثر تأثيرا في الداخل والخارج. هناك انقسامات وتعود في قسم منها إلي خطة الدولة لضرب الحركة القبطية في الخارج باستمالة بعض الناشطين فيها وتحييد عملهم كما حدث في السنوات الأخيرة مع عدد لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة يتعاملون الآن مع الأمن  في الداخل ويصدقون الوعود الوهمية بحل المشاكل وليست لديهم أية فاعلية في العمل في الداخل. ومن الأفضل للدولة ولمصر أن تستمع في جدية لمطالبهم وأن تتعامل معهم كأم حنون تحترم أولادها بدلا من هذه العنجهية السياسية التي تكشف عن حالة من الفقر السياسي لم تشهدها مصر في تاريخها. وأستطيع أن أؤكد هنا أن محاولات ضرب الحركة القبطية في الخارج ستبوء بالفشل الذريع، لأنها حركة تدافع عن حقوق الإنسان، وبسبب الوعي السياسي المتقدم للغالبية الساحقة من أقباط الخارج والتي تستخدم الوسائل الديمقراطية للدفاع عن أشقائهم في مصر أيا ما كانت عقيدتهم.
      لوحظ  عدم صدور أحكام ضد المعتدين في كثير من الاعتداءات التي تعرض لها الأقباط، هل ترى أن هناك ضغوطا تمارس علي القضاء؟
    من الشائع أن نظام الحكم في مصر يتدخل في عمل القضاء، هذا فضلا عن أن بعض أجهزة الدولة مثل الأمن والمحافظين يقفون وراء شيوع التقليد البدوي المتمثل في جلسات المصالحة العرفية التي تهدر فيها حقوق الأقباط ويهرب فيها الجاني من العقاب، وهو الأمر الذي يعني استقالة القضاء أمام هذه الجلسات التي يتم اللجوء إليها عند وقوع اعتداءات علي الأقباط وهي عرف بدوي أتى إلينا من صحراء قاحلة لم تعرف المدنية التي عرفتها مصر. إن النيابة العامة تمثل ضمير المجتمع ولا يجب عليها أن تنكص عن القيام بدورها وتتخلي عن تنفيذ القانون في القضايا التي تتعلق بالأقباط. لقد عرفت مصر من قبل قضاء مصر شامخاً يقف في صلابة ضد تدخل الحاكم والسلطة ولكننا للأسف أصبحنا نري تدخلا من قبل السلطة في عمله وتغلغلا من قبل التيار الديني في بعض صفوفه، وهما السببان اللذان يقفان وراء عدم صدور أحكام في أكثر من 160 اعتداء ضد الأقباط. وفي جريمة الكشح التي قتل فيها 21 قبطيا لم يصدر حكم ضد قاتليهم الذين ما زالوا يسيرون علي أقدامهم في الكشح ونواحيها، والحكم الوحيد الذي صدر فيها كان ضد مسلم قتل مسلماً آخر بطريق الخطأ. أين العدل في كل هذه الممارسات؟
     يتحدث الكثيرون عن تقصير أمني في الاعتداءات التي تقع علي الأقباط وخاصة في جريمة نجع حمادي؟
     إن الأمر في رأيي يتجاوز التقصير إلي التواطؤ، إذ في كثير من أحداث الاعتداءات علي الأقباط تصل الشرطة والأمن بعد أن تنتهي الجريمة. وفي جريمة نجع حمادي وخاصة بعد أحداث فرشوط كان هناك توتر شديد في المنطقة وهو الأمر الذي دعي إلي خروج قداس العيد مبكرا عن موعده لأول مرة ولم يكن ذلك غائبا عن الجميع وفي مقدمتهم الأمن، ومع ذلك كان الأمن غائبا وهو يعلم بهذا التوتر وهذه التوقعات. والأمن بشكل عام متحيز ومتواطئ في كثير من جوانب الملف القبطي، حيث يغلق الكثير من الكنائس " لدواعي الأمن"، ومعني ذلك أنه بدلا من أن يواجه أية بؤر متطرفة تهدد أمن الأقباط، يفضل إغلاق الكنائس في هذه الأماكن. وهو متواطئ أيضا في عمليات التحول الديني القسري وخاصة فيما يتعلق بالبنات القصر حيث عادة ما ينحاز لصالح الطرف الذي أوقع فتاة مراهقة في شراكه، أو لعب دورا في اختفائها. بل يصل الأمر عندما يختلف اثنان أحدهما مسلم والآخر ومسيحي، تحيل الشرطة الخلاف للأمن حتي ولو اختلفا علي " كوز درة"، ولا أدري ما علاقة الأمن بموضوع مثل هذا؟ إن أمن الدولة لا يستطيع حل مشاكل المصريين لأننا نحمله بما لا طاقة له به، هذا فضلا عن أنه يزيد مشاكل الأقباط تعقيدا بسبب تحيزه.
     من وجهة نظرك من يصلح لإدارة الملف القبطي، العلمانيون أم الكنيسة؟
     أنا أرفض تماما تدخل الكنيسة، لأننا نطالب بالفصل بين الدين والدولة، ويجب أن تقوم مؤسسات الدولة بدورها ولو قامت بدورها كما يجب لن نحتاج لكنيسة أو علمانيين في حل مشاكل الأقباط.
     كثيرا ما يستخدم الإعلام أوصافاً وتعبيرات لا تعبر عن واقع الأحداث التي يتعرض لها الأقباط  ألا تعتقد أن ذلك يسهم في غياب الوعي بمشاكلهم؟
    عندما يتحدث السياسيون وأجهزة الإعلام عن مشاكل الأقباط يرددون أكاذيب مزمنة، مثل أكذوبة الفتنة الطائفية، لأن استخدام هذا التعبير عندما تقع اعتداءات ضد الأقباط فإنهم يضعون بذلك الجاني والضحية في نفس المستوي، ولكن إذا ما استخدموا مفردات لغوية مثل "الاعتداءات" بدلا من "الفتنة" فهم من ناحية يحترمون أبجديات العمل المهني ومن ناحية أخري يقومون بتوعية الرأي العام، وعندما نقول تم قتل 21 قبطياً في الكشح لن يرضي ذلك الكثير من أشقائنا المسلمين، ويكون هناك نوع من التوعية بطبيعة الجريمة. ومن الأكاذيب المزمنة أيضا من قبل الساسة ورجال الإعلام، الحديث عن المتطرفين من الجانبين، وأنا لا أري أن هناك تطرفا من قبل الأقباط. هل رأينا قبطيا يغتال رئيس الدولة أو رئيس الوزراء؟ هل رأينا أقباطا يهاجمون محلات ذهب، هل رأينا أقباطا يعتدون علي الجوامع أو يحرقونها؟ هل رأينا أقباطا يهاجمون مسلمين لأنهم يمارسون شعائرهم الدينية؟ لكل ذلك أقول إن مقولة المتطرفين من الجانبين هي أم الأكاذيب في تصريحات المسئولين وفيما تنشره أجهزة الإعلام. وحتي عندما تحدث الرئيس حسني مبارك بعد أحداث نجع حمادي عن ضرورة تجديد الخطاب الديني من قبل الكنيسة والأزهر، نري في هذا نوعاً من التوازن الوهمي بين الجانبين، إذ أنه لا يوجد خطاب ديني للكنيسة يكفر الآخر أو يهاجم عقائد الآخرين في ميكروفونات، ولكن هناك خطاب روحي وداخل الكنيسة يتحدث عن الفضائل والعقائد والشعائر الدينية. ولهذا وبدلا من أن يوجه مبارك كلامه فقط لأطراف إسلامية، حاول، كعادة نظامه، أن يقيم توازنا وهميا بين الجانبين، وهو الأمر الذي يعني أن النظام في مصر ما زال غير قادر علي التشخيص السليم أو هو خائف من الشارع الإسلامي، أو هو نظام إسلامي مقنّع.
     ما هو رأيك في التغطية الإعلامية للأحداث الطائفية وخاصة جريمة نجع حمادي؟
     عودنا ما يسمي بالإعلام القومي، وهو في حقيقته أداة دعاية للنظام، علي انتهاك أبسط قواعد العمل المهني الصحفي في مجال التغطية الإخبارية للجرائم التي يتعرض لها الأقباط علي وجه الخصوص. ففي اليوم الأول بعد جريمة نجع حمادي صدرت جميع الصحف القومية بنغمة واحدة تتحدث عن حادث فردي ثم حاولت، في شكل من أشكال التخبط المهني أن تصف الجريمة  في اليوم التالي علي أنها حادث جنائي قام به مسجل خطر، علي الرغم من توفر كل مكونات العمل الإرهابي من حيث استهداف الأقباط، ومن حيث المكان: تجمعات الأقباط بالقرب من "المطرانية والكنائس"  ثم من حيث التوقيت: عيد الميلاد، وفي وقت ذكرت فيه جميع برقيات وكالات الأنباء التي تصل إلي هذه الصحف، الطبيعة الإرهابية والطائفية للجريمة منذ الساعات الأولي.
     كما أنها تعاملت وفي نفس الوقت بمكيالين مع هذه المذبحة وجريمة مقتل جندي مصري علي الحدود مع غزة، حيث أفردت مانشيتات الصفحة الأولي لجريمة مقتل الجندي ووصفته بالشهيد بينما تناولت جريمة اغتيال سبعة من المواطنين المصريين معظمهم من الأقباط علي أيدي الإرهاب علي أنه حادث مؤسف.
     وقد اعتدنا من هذا الإعلام على الكيل بمكيالين، إذ عندما وقعت جريمة قتل مروة الشربيني وهي جريمة بشعة ومروعة قامت الدنيا ولم تقعد وكثر الحديث عن كراهية الغرب للإسلام والتعصب الأعمى، أما قتل الأقباط في نجع حمادي وقبلها 21 قبطياً في الكشح، فهي حوادث مؤسفة أو حادث فردي مؤسف، وتحول الأمر من مجنون كما كان الحال في الاعتداءات التي تعرض لها الأقباط في الإسكندرية، إلى مسجل خطر في نجع حمادي، وفي رأيي أن المجنون والمسجل خطرا هنا هو أجهزة الدولة وليس الكموني.
     وعندما تربط الداخلية في بيانها بعد ساعات من الجريمة بين حادث الاغتصاب المزعوم لفتاة فرشوط وبين جريمة نجع حمادي فهذا تبرير للإرهاب، ولو افترضنا قيام منظمة إرهابية لإعلان مسئوليتها عن الجريمة سوف تقول إن ما حدث في نجع حمادي هو انتقام لما حدث في فرشوط لو كان قد حدث، أي أن بيان الداخلية يبرر الجريمة. ولعل ما أصابني بالصاعقة هو تصريح  النائب العام عند وصوله إلي نجع حمادي في ثاني يوم من أنه قد تكون هناك علاقة بين ما حدث في فرشوط  وما حدث في نجع حمادي. وأعتبر ذلك سقطة من النائب العام الذي يمثل ضمير الأمة إذ عليه أن لا يتحدث قبل إجراء التحقيق هذا فضلا عن أن منصبه يحتم عليه ضرورة التحفظ.
     لماذ اعتبرت دعوى د. سعد الدين إبراهيم في أحد المؤتمرات بأنها خطأ كبير؟
     كنت من أكثر المتعاطفين مع الدكتور سعد الدين إبراهيم حتي أنني أفردت لمحنته فصلا في كتابي "الكشح الحقيقة الغائبة" لأن دفاعه عن قضايا الأقباط كان أحد أسباب محاكمته، ولكن المشكلة تكمن في أنه يروج الآن في الخارج لـ "لإخوان المسلمون"، وهذا تحول مرفوض من رجل بقامة سعد الدين إبراهيم، إذ كيف يمكن أن يقوم عالم مستنير بالترويج لفكر وبرنامج غير مستنير؟ وللأسف الشديد هناك بعض المفكرين والمثقفين يقعون في هذا الخطأ التكتيكي لمجرد أن (الإخوان المسلمون ) يعارضون النظام الحاكم  ويجنحون للتحالف معهم والترويج لفكرهم، لمجرد مقاومة الحاكم. وقد تكرر هذا الأمر مع كثيرين كما حدث في وقت سابق مع طارق البشري الذي قدم رؤية متقدمة في كتابه الشهير الأقباط والمسلمون في إطار الجماعة الوطنية، ثم نكص عن هذا الفكر بعد ذلك. ولهذا فإنه من غير المفهوم ومن غير المقبول التحالف مع مستبد ضد مستبد آخر.
     قلت أتمنى أن يصل الإخوان للحكم.. ما صحة هذا التصريح؟
     أنا لست مع وصول (الإخوان المسلمون ) للحكم، بل أردت من وراء ذلك أن أقول إنهم إن وصلوا إلي الحكم سوف ينكشفون لأن ليس لديهم برنامج سياسي يصلح للحكم، وإذا ما وصلوا للحكم سوف يكشطون كلمة ديمقراطية وكلمة حرية من القواميس مثل كل التيارات الدينية التي وصلت للحكم. ويجب أن لا ننسي أن  حقيقتهم وأن الجماعات الإسلامية والجماعات المتطرفة والإرهابية خرجت من تحت عباءتهم، والجميع يعرف أنهم مارسوا القتل السياسي قبل انقلاب عام 1952، ولا ينسي الجميع أيضا استعراض المليشيات التابعة لهم في جامعة الأزهر منذ حوالي عام وهو أمر في منتهي الدلالة..
     تجربتك في الكشح وزيارتك مؤخراً لنجع حمادي، رؤيتك لكل منهما بعد مرور عشر سنوات على الحادث؟
     جريمة الكشح أبشع عشرات المرات من نجع حمادي لأنه قتل 21 قبطياً وقاموا بنهب واستيلاء على ممتلكات الأقباط وحرق صيدليات ومتاجر بدار السلام وقرى أخرى مجاورة، واستمرت عمليات النهب والتدمير والحرق لمدة 48 ساعة لم يتدخل الأمن لإيقافها. ولكن التعمية السياسية والإعلامية فرضت صمتا عليها، خاصة وأنه لم تكن هناك قنوات تلفزيونية خاصة منذ عشر سنوات كما هو الحال اليوم.  ومع ذلك لمست حراكا إعلاميا بعد جريمة نجع حمادي في بعض هذه القنوات التي تناول بعضها هذه الجريمة بقدر من الصراحة، ولكن هذا الحراك ما يزال غير كاف لأن كثيراً من الصحفيين في هذه القنوات الخاصة ما زالوا يستخدمون المفردات الشائعة غير الصحيحة وبعضهم تغلب عليه قناعاته الشخصية في طرح الأسئلة. أما زيارتي لنجع حمادي فكانت لمواساة عائلات الشهداء أولا ولمحاولة فهم ما حدث ثانيا.
     لكن ألا ترى أن تحرك الأقباط اليوم في الداخل هو أشبه بثورة شعبية؟
     لقد فاض الكيل بالأقباط بسبب تعرضهم للاعتداءات بشكل مستمر وبوتيرة متسارعة ودون عقاب للمعتدين، في الوقت الذي أصبحت فيه حرية العبادة بالنسبة لهم منقوصة، هذا فضلا عن أن تحيز أجهزة الدولة التي تعشش فيها الطائفية ضدهم أصبح هو القاعدة واصبحت أبسط حقوقهم مهدرة.
     ولهذا فإن المظاهرة التي قام بها حوالي ثلاثة ألاف قبطي في نجع حمادي بعد المذبحة وللمرة الأولي، وكذلك المظاهرة التي قام بها حوالي خمسة آلاف بعد اللقاء الأسبوعي لقداسة البابا في الكاتدرائية، تكشف أن الشباب القبطي في الداخل بدأ يتململ أمام استقالة الدولة أمام هذا الواقع المرير والقهر الذي يعيشونه، ولم يعد ممكنا استمرار الحال علي ما هو عليه. لكل ذلك أعتقد أن ثورة الأقباط ضد هذه الاعتداءات المتكررة وهذا  القهر والظلم قادمة لا محالة. وكل ما أتمناه أن لا تأخذ هذه الثورة طابع العنف للرد علي العنف بالعنف، وأطالب الشباب القبطي بأن يقف في منحني سياسي وأن يستخدم الوسائل التي يتيحها القانون والدستور، وأن يرفع شعارات سياسية وليست دينية، ترتكز علي المطالبة بالمساواة وعلي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كما حدث في المظاهرة الأخيرة بميدان التحرير، بل وأن تمتد يده لإشراك أشقائه المصريين من كافة الأديان في معرض مطالبتها باحترام حقوق الإنسان للجميع. ودعيني أقول لك أن الأقباط هم ضمير هذا الوطن مع أشقائهم المسلمين المستنيرين، وسيأتي اليوم الذي يقودون فيه التغيير حتى تعود الإشراقة إلي وجه مصر التي نعشقها جميعا.
      قلت إن موقف الكنيسة لا تحسد عليه، ماذا كنت تقصد؟
      لأن هناك الكثير الذي يجب أن تقوله ولكنها لا تقوله واضعة في اعتبارها عدم إثارة الرأى العام وإغضاب الغالبية.
      وموقف قداسة البابا شنودة برفضه مقابلة لجنة الحريات والرد؟
     هو رجل وضعه صعب، لو تحدث بما يجيش في قلبه قد تشتعل الأمور أكثر، وأعتقد أنه لهذا السبب فضل الصمت وأن يتحدث مع المسؤلين في الدولة. وكنت أتمنى ألا ينزل قداسة البابا لاستقبال المهنئين في عيد الميلاد لإحداث صدمة لدى المسؤلين بالدولة، ولو فعل لكان صمته مدوياً، فهذه الدولة غائبة عن الوعي ومغيبة وتركت الساحة خالية أمام التيار السلفي ليقوم بعملياته الراديكالية.
      هل المطالبة بحقوق فئة معينة بعتبر ضد المواطنة؟
     إن هذا السؤال يدعوني للحديث عن الاتهام بالطائفية الذي يوجه للأقباط فقط. إذ رغم امتلاء كل أجهزة الإعلام بالأدبيات الإسلامية المتطرفة، لا يوجه أحد اتهاما بالطائفية لغير الأقباط. وهذا الاتهام يوجه لهم فقط عندما يتحدثون عن مشاكلهم، ويستهدف تكميم أفواههم. ولهذا لابد من أن يتحدث الأقباط عن مشاكلهم دون خشية من الاتهام بالطائفية. ومن الناحية الأخرى لو سكتنا سنتهم بالانعزالية. ثم هل المطلوب منا أن نتحدث عن مشاكل الإسكان أو البطالة أو مشكلة الشرق الأوسط فقط ونترك الأمور التي تصيبنا في أرواحنا وأجسادنا. هذا أمر مرفوض، ولا نخشى من هذا الاتهام لأنه زائف وغير صحيح.
      أقباط مصر.. إلى أين؟
     بل مصر كلها وليس أقباطها فقط إلي أين، نحن نتجه نحو طريق مظلم بسبب انهيار مقومات الدولة، وأصبحنا نعيش في دولة عشوائية لا يعمل فيها سوي جهاز الأمن وهدفه الحفاظ علي نظام الحكم فقط.