التعليق:
الاسم:
عنوان التعليق:
المرسل إليه:
الاسم:

مسئولية الدولة والعقد الاجتماعى


بقلم الدكتور القس صفوت البياضى
رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر


     تعلمنا منذ نعومة أظفارنا أن هناك عقداً غير مكتوب بين طرفين هما الدولة والشعب، الحاكم والمواطن. والعقد– أى عقد– يحقق منفعة لطرفيه، فالبائع ينتفع بالثمن الذى يطلبه والمشترى ينتفع بالسلعة التى يحتاجها. وتسمى مثل هذه العقود بعقود البيوع، وهناك عقود بين أصحاب الأعمال والعمال، فيها يحقق العامل حقه فى الأجر والراحة والخدمات الصحية والاجتماعية، ويحقق صاحب العمل ضمان الإنتاج وأداء الواجبات المناطة بالعامل، وتسمى مثل هذه العقود بعقود العمل.
     وحتى العلاقات الأسرية تقوم على عقود موثقة وغير موثقة، فالعلاقة الزوجية منشأها عقد الزواج الذى يتفق فيه الزوج مع الزوجة على تاريخ بدأ العلاقة وحقوق كل من الزوجين ونتيجة العلاقة الزوجية، تترتب عليها حقوق وواجبات بين الأبناء والآباء، فكما أن حقوق الطفل على والديه هى الرعاية والحماية والإنفاق فإن واجبات الأبناء تجاه الآباء الطاعة والاحترام. وهكذا تسير الأمور فى عقود المقاولات والخدمات فهيئة السكك الحديدية تنشئ بينها وبين ركاب القطارات عقوداً، فالراكب يدفع الأجرة ويحصل على عقد فى صورة تذكرة السفر وعلى الهيئة أن تلتزم بسلامة الراكب وضمان وصوله فى المدة المحددة طالما أن الراكب سدد مقابل الخدمة، وهكذا بالنسبة للطيران والبواخر وغيرها من وسائل المواصلات. وكل هذه العقود تنظمها القوانين التى تضعها الحكومات. فماذا عن العقد المبرم بين المواطن والوطن؟ بين الفرد والحاكم؟ وهذا ما يعرف بالعقد الاجتماعى الذى وإن لم يكن مكتوباً وموقعاً من طرفيه إلا أن الدساتير والقوانين تنظم العقد الاجتماعى، فيكون كل من ولد على أرض مصرية وكل من ولد من أبوين مصريين أو من أب مصرى، وأضاف القانون المصرى كل من ولد من أم مصرية ويعيش على أرض مصر، كل هؤلاء طرف فى العقد الاجتماعى، والطرف الآخر هو الدولة وينوب عنها الحاكم الذى هو رأس الدولة ومن بين أبنائها وقد فوضه الطرف الأول فى العقد (المواطنون) أن يحمى ويصون ويلتزم بكل شروط العقد الواردة فى الوثيقة التى اتفق على تسميتها بالدستور. والقسم الذى يتعهد فيه أمام الله والشعب أن يحترم الدستور ويدافع عن الوطن ويسعى لراحة شعبه. ولما كان لكل عقد امتيازاته والتزاماته وكيفية تحقيق هذه المعادلة وشروطها والجهات التى يلجأ إليها طرفا العقد عند الإخلال بأى من بنوده والجزاءات التى تقع على عاتق من يقصر فى واجبه فقد سعت الدولة إلى تنظيم وتحقيق الواجبات والحقوق.
     وبعد هذه المقدمة التى تبدو طويلة إلا أنها لازمة للدخول فى الموضوع، فالدولة ممثلة فى رئيسها– طالما كانت الأجهزة المعاونة– مسئولة أمامه فهو الذى يباشر تعيينها وهو من يملك إقالتها وإحالتها لجهات التقاضى عند الإخلال بواجباتها بالإهمال أو بالأفعال. ولكونى واحداً من المتعاقدين مع الدولة أرى من حقى توجيه بعض التساؤلات.
     - نحن نقوم بأعمال البناء فنعلى الجدران بقصد ضمان الحماية للأرواح إلا أن بناء الجدران لا يحقق وحده الشعور بالأمان نفساً وعقلاً.
     - وتقوم الدولة بأعمال ترميم وإصلاح وتوسعة الطرق ولازالت نظرتنا إلى الحياة ضيقة بل تزداد ضيقاً حتى لم تتسع الصدور لقبول الاختلافات الطبيعية والعرقية والطائفية.
     - وتقوم الدولة بإنفاق الكثير فى ميزانياتها وفى صيانتها إذ لم نكن نسمع أرقام المليارات بل كانت تتوقف عند الملايين وبالتالى لم نسمع بهذه الأرقام الخيالية لدى الأفراد حتى من دعوناهم بالإقطاعيين ومع ذلك فلازلنا نشكو ضيق ذات اليد فى الإنفاق على أهم المسئوليات كالتعليم والصحة. 
     - نلاحظ اتساع وارتفاع العمارات والقصور الخيالية فوق الأرض أو تحتها وعلى عكس ذلك انكمشت العلاقات واتسعت الخلافات وتباعدت أواصر الود حتى فى داخل العلاقات الضيقة.
     - حدثنا وسائل الراحة فى السيارات الفارهة والطائرات الخاصة والفنادق العائمة والعالية وظلت النفوس متعبة فلا تستمتع بما عندها بل زادت شراهة ونهما وإعياء.
     - حصلنا على أعلى الشهادات العلمية وظلت معلوماتنا محدودة وناقصة وعقولنا شبه فارغة حتى إنها تجد متعتها فى القفشات والنكات التافهة وقد سبقنا العالم علماً وتعليماً حتى قيل إننا زدنا كتباً وأعوزتنا الحكمة.
     - نرسل البعثات فى كل المجالات، ومع ذلك تزيد وتتفاقم المشكلات، ولدينا الأسباب والمبررات ولكننا نعجز عن الحلول، إما للفقر أو للخوف والقهر.
     - زادت مصانع الأدوية وكثرت العقاقير التى يعجز أشهر الأطباء عن معرفة كل أسمائها، ومع ذلك تضاعفت الأمراض وعجزت المستشفيات عن استيعاب كل المرضى مع زيادة الأبنية وتضاعف أعداد الأطباء.
     - وتطول السلسلة ولها بقية، إنما خاتمة هذه الجزئية إننا نتكلم كثيراً ونعمل قليلاً وتتسع دائرة الكراهية حتى كرهنا أنفسنا ومن كره نفسه يكره الناس أجمعين. وللعقد الاجتماعى تكملة.