|
تقرير منظمات حقوق الإنسان غير الحكومية المصرية استمرار التمييز ضد الأقباط والدولة لاتبالى بالحوادث الطائفية |
مارى رمسيس |
|

|
|
يقدم هذا التقرير شهادة جماعية لـ"ملتقى منظمات حقوق الإنسان المستقلة" حول أوضاع حقوق الإنسان في مصر اليوم. وبينما يلتزم التقرير بالتركيز على الأعوام الأربعة السابقة، فإنه يعتمد في الواقع على حصيلة ما يقرب من ربع قرن من العمل الحقوقي ميدانياً وقانونياً. وعلى حين لا يسمح حيز هذا التقرير برصد كل التطورات والانتهاكات خلال الفترة الزمنية المحددة، فإنه يركز على أبرز الوقائع والانتهاكات التي تدلل على طبيعة الإشكاليات والعقبات الرئيسية التي تحول دون تمتع المصريين بالحقوق التي أرستها الاتفاقيات الدولية الأساسية لحقوق الإنسان، والتي صادقت عليها الحكومة المصرية. - نظرة عامة على حالة حقوق الإنسان في مصر لا يمكن النظر إلى أوضاع حقوق الإنسان في مصر بشكل منفصل عن حزمة القوانين والسياسات والممارسات. بل إن الملمح الأساسي لوضع حقوق الإنسان في مصر اليوم هو سيادة نمط متكامل من الاستثناء والانتهاكات في ظل مناخ من الحصانة تم إنشاؤه وتعميمه بشكل عمدي على مدار عدة عقود. وقد لعبت حالة الطوارئ المفروضة دون انقطاع منذ عام 1981 دوراً أساسياً في ترسيخ هذا النمط ونشر ذلك المناخ، على نحو جرى من خلاله تعميم الاستثناء، وإهدار حكم القانون، وتعطيل مختلف الضمانات الدستورية للحقوق والحريات العامة، وإهدار ضمانات سيادة القانون وخضوع الدولة لأحكامه، وتآكل مقومات الدولة القانونية، وتحطيم ثقة المواطنين في الدولة وشعورهم بقيمتهم الذاتية. ولا يخفف من وطأة هذا الاستنتاج ما عرفته السنوات الأخيرة خصيصاً من انخراط أقسام متزايدة من السكان في مقاومة هذه الانتهاكات والسياسات التي أفرزتها، ونجاح بعض منابر الإعلام المستقل والمجتمع المدني والحركات الاجتماعية الجديدة في انتزاع مساحات للحرية، رغماً عن السياسات والممارسات والبيئة التشريعية التي تحاصرهم. استمرت مؤشرات العدالة الاجتماعية في الاختلال، وارتفعت نسبة الفقر بدلاً من أن تنخفض، واتسع نطاق التفاوت في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بين الريف والحضر، وبين الأغنياء والفقراء، حتى أصبحت انتهاكات أغلب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية على نفس الدرجة من المنهجية والانتشار التي تتميز بها انتهاكات الحقوق المدنية والسياسية في مصر. و تلجأ الحكومة إلى عدة وسائل لصرف الانتباه عن سجلها الحقوقي المشين. وتضمنت تلك الوسائل: التذرع بالخطر الذي تشكله جماعات الإسلام السياسي، والتوظيف السياسي للدين أو لدعاوى ثقافية لإضفاء قدر من المشروعية على انتهاكات حقوق الإنسان، وإقامة هياكل ديكورية توحي باهتمام الدولة بحقوق الإنسان، وإدخال تعديلات على بعض القوانين لا تغير من جوهر البناء التشريعي الاستبدادي، وفي أحسن الأحوال اتخاذ بعض الخطوات الايجابية محدودة الأثر في مجالي حقوق النساء والأطفال، ومحاولة تسويقها لدى المجتمع الدولي على وجه الخصوص لتفادي المزيد من الانتقادات وصرف الأنظار عن حزمة واسعة من التدابير التشريعية والسياسات التي يتعين انتهاجها من أجل وضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان في مصر. لعبت الحكومة المصرية دوراً قيادياً واضحاً في إضعاف الآليات الدولية والإقليمية لحماية حقوق الإنسان. وداخل المجلس الأممي لحقوق الإنسان على وجه الخصوص سعت الحكومة المصرية مراراً إلى حماية الحكومات التي ترتكب انتهاكات حقوقية جسيمة، و تقيد حرية التعبير بزعم حماية الأديان من الازدراء وإضعاف استقلالية الخبراء المستقلين الذين يعينهم المجلس، وإسكات أصوات المنظمات غير الحكومية في الجلسات المخصصة للاستعراض الدوري الشامل لعدد من البلدان العربية. . إن الاستنتاجات السابقة، وما يتضمنه هذا التقرير من تقييم لمجمل وضعية حقوق الإنسان في مصر، تقود جميعاً الى التأكيد على أن هذا التردي المستمر في أوضاع حقوق الإنسان ليس نتاج الثقافة المجتمعية أو نقص الموارد المادية، أو الحاجة إلى التدريب و بناء القدرات، وهي الحجج التي تستخدمها الحكومة ومؤسساتها، وإنما هو نتاج للافتقار للإرادة السياسية اللازمة من جانب مؤسسات الدولة للتخلي عن سياسات معينة واحترام وتعزيز حقوق الإنسان. . حريات الدين والمعتقد: استمرت أوضاع حرية الدين والمعتقد في التراجع خلال العقود الماضية، حيث تصر الحكومة على الإبقاء على قوانين وسياسات تكرس التمييز على أساس الدين أو المعتقد، خاصة التمييز ضد الأقباط الذين يشكلون نسبة تتراوح بين 8-10% من سكان البلاد. وتعد أبرز أشكال التمييز في ذلك الصدد تلك المتعلقة بحرية ممارسة الشعائر الدينية والحق في إنشاء وترميم الكنائس، والقيود المفروضة على الحق في اختيار أو تغيير الدين أو المعتقد، وبعض أوجه التمييز ضد غير المسلمين في مجال الأحوال الشخصية، فضلاً عن التمثيل المتدني للأقباط في الوظائف العامة والمجالس النيابية والمحلية، والتمييز ضد أصحاب المعتقدات التي لا تعترف بها الدولة وعلى رأسهم البهائيون المصريون. كما استمرت أجهزة الأمن في ملاحقة أو اعتقال أشخاص على أساس معتقداتهم الدينية، استناداً إلى تهمة "ازدراء الأديان السماوية" في قانون العقوبات، والتي سمحت لأجهزة الأمن بملاحقة كل من يعتنق أو يروج معتقداً دينياً لا ترضى عنه تلك الأجهزة، بما في ذلك المسلمين من الشيعة أو الأفراد الذين يعتنقون معتقدات تخالف التفسير الرسمي للإسلام كـ"القرآنيين" و غيرهم. أما الوجه الأخطر فيما يتعلق بالشأن الديني، فهو الفشل الكامل لأجهزة الدولة في نبذ التعصب الديني، وهو ما يظهر على وجه الخصوص في التحرش المتزايد بالأقباط و مؤخرا البهائيين، كما يظهر أيضا في لامبالاة أجهزة الدولة بتزايد التوتر و العنف الطائفي في المجتمع بين المسلمين والمسيحيين، وارتفاع وتيرة الاعتداءات الطائفية واتساع نطاقها الجغرافي ليشمل أغلب أنحاء البلاد حرية الرأي والتعبير . وفيما يخص حرية الرأي والتعبير، فقد استمرت الانتهاكات والقيود رغم نجاح الصحافة المكتوبة والمرئية في انتزاع هامش أوسع من حرية الصحافة في السنوات الأخيرة. فقد واصلت الحكومة رفضها لتعديل العديد من النصوص القانونية التي تجيز الحبس في قضايا النشر، رغم وعد رئيس الجمهورية بإلغاء هذه العقوبة منذ عام 2004. وتزايدت حالات الملاحقة القضائية للصحفيين ـ سواء على يد الدولة أو على يد عناصر مرتبطة بها ـ بما أدى إلى صدور أحكام بالحبس أو الغرامات الباهظة ضدهم في الأعوام الأخيرة. كما تزايدت حالات الاعتداء الجسدي على الصحفيين أثناء تأدية عملهم دون معاقبة، فضلاً عن التضييق على القنوات الفضائية الخاصة والتدخل في عملها وإغلاق عدد من مكاتبها وملاحقة بعض العاملين فيها قضائياً في تهم تتعلق بعملهم الصحفي. واستمرت ممارسات مصادرة المطبوعات وحجب بعض المواقع الإلكترونية. وقامت أجهزة الأمن باعتقال بعض المدونين على خلفية آرائهم السياسية أو ما يقومون بنشره على مدوناتهم وإحالة بعضهم إلى محاكمات أفضت إلى سجنهم. ورغم السماح بصدور بعض الصحف المستقلة في الأعوام الماضية فإن الدولة ما زالت ترفض تخفيف القيود التشريعية على حرية إصدار الصحف وملكيتها أو إنشاء المحطات الإذاعية والتلفزيونية الخاصة، وتستخدم هذه القيود في التفاوض مع الراغبين في الحصول على التراخيص بشأن محتوى المادة الإعلامية التي يعتزمون تقديمها. كما تزايدت ضغوط المؤسسات الدينية الرسمية ضد حرية الإبداع الأدبي والفني، سواء عبر تحريك الدعاوى القضائية، أو شن حملات التشويه ضد بعض رموز الفكر والرأي والإبداع ووصمهم بالكفر
|
|
|
|