|
اعترافات محافظ
|
بقلم رئيس التحرير
د. ناجي يوسف |
|
|

|

|
|
المحافظ/ مجدي أيوب
|
اللواء/ فريد وهبة
|
|
|
عندما قرأت خطاب استقالة محافظ قنا اللواء مجدي أيوب إسكندر الذي كتبه الكاتب خالد صلاح رئيس تحرير جريدة وموقع اليوم السابع، لم أنتبه لأول وهلة أنه خاطر من خيال الكاتب وليست استقالة حقيقية مقدمة من المحافظ إلى رئيس الجمهورية. وكان الانطباع الذي تركته هذه الاستقالة أو الخطاب في ذهني أنه أخيراً اعترف المحافظ بتقصيره وانحيازه إلى فئة من الشعب دون الأخرى، واتخذ ما كان لابد له من عمله منذ ليلة الاعتداء على المسيحيين في نجع حمادي وهو تقديم استقالته إلى الرئيس مبارك. والحقيقة لم أصدق ما كنت اقرأه فليس هناك من محافظ أو وزير أو قائد عسكري أو أمني أو مسئول كبير في دولتنا المحروسة يمكن أن يعترف بخطأه مهما كان بيناً وغير قابل للنقاش. وليس في تاريخ مصر كلها من قدم استقالته وترك منصبه لسوء إدارته أو تقصيره أو إهماله، حتى إذا تسبب عن إهماله كارثة من الكوارث التي أطاحت حتى بالشعب كله. فمنذ الثورة المباركة سنة 52 التي توالى على أثرها حكم العسكريين للبلد الأمين وديار المساكين مصر، لم نسمع إلا عن تلك التمثيلية السخيفة المفضوحة التي مثلها ببراعة الرئيس عبد الناصر بسبب جلبه لنكسة 67 على مصر والبلاد العربية في عهده المنصرم، ليوضح للعالم أجمع أنه يتحمل مسئولية النكسة وأنه مستقيل من منصبه، وعندها خرجت كتيبة المخبرين السريين المعدة والجاهزة لتمثيل أي دور مهما كانت سخافته، خرجت لتقود المظاهرات متوسلة لعبد الناصر بالاستمرار في الحكم، وتمت التمثيلية التي كان من المعروف نهايتها قبل أن تبدأ، بأن قبل الزعيم خدمة لمصر وأبناء مصر! والعالم العربي كله! أن يبقى في منصبه، وكأنها تضحية كبرى منه وخضوع لمطاليب الجماهير العريضة. ومن المتعارف عليه دولياً في البلاد التي تمارس فيها الديمقراطية الحقيقية أن المسئول عن الأحداث، وخاصة الدامية منها، لابد من تقديم استقالته بمجرد وقوع المصيبة في زمن قيادته أو مسئوليته عن مكان أو طبيعة الحدث، حتى لو لم يكن هو المسئول الأول عن وقوعها. أما في مصرنا العظيمة، فالخطأ دائماً خطأ الشعب لا المسئولين، أو خطأ القوي الإمبريالية المعادية للوحدة الوطنية والمتربصة بمصر والمتفرغة للإضرار بها، فإن كان لابد لأحد أن يعترف بالخطأ أو يستقيل من منصبه فلابد للشعب أن يعترف، وإن لم يعترف من نفسه في بيوته وشوارعه، سيعترف في أقسام البوليس. وعليه فقد قدم شعبنا الكريم خطاب استقالته كشعب للحكومة منذ قيام الثورة، ولم يعد الشعب شعباً فهو لا يتمتع بحقوقه ولا يؤدي واجباته.
ومع أن خطاب استقالة محافظ قنا هو خطاب خيالي إلا أنه تضمن الكثير من الحقائق التي لابد من التعليق عليها، وحيث أن الموضوع كله خيال في خيال، فدعني أنا أيضاً أستعمل خيالي في الرد على الخطاب الخيالي والاستقالة الخيالية لمحافظ كان لابد له أن يقدم استقالته الحقيقية بعد ما حدث في نجع حمادي في ليلة عيد الميلاد، وإن لم يتقدم هو باستقالته كان لابد له أن يقال من منصبه، ثم يقدم للمحكمة العلنية كما تفعل الدول التي تحترم شعوبها.
جاء في خطاب الاستقالة الخيالي أن سيادة المحافظ "يتقدم لرئيس الجمهورية بخالص الشكر على الثقة الغالية التي منحه إياها بتعيينه محافظاً". وهنا لي وقفة مع "الثقة الغالية" فأود أن ألفت نظرك أن الثقة الغالية الممنوحة لك ليس مصدرها السيد الرئيس بل هي ثقة أمن الدولة بك أيها المحافظ بأنك لن تخرج عن الخط المرسوم لك لتنفيذه، وقد جربوك ووثقوا بك في مواقف كثيرة كنت في كل مرة تثبت فيها أنك التلميذ النجيب، فأنت وفيٌ للنظام، حريص على إرضاء الكبار، مطيع للأوامر ومظهر في كل مناسبة أنك مسلم أكثر من المسلمين (كما جاء باستقالتك الخيالية) مما رشحك أن تكون أهلاً للثقة واختيارك محافظاً لمدينة قنا، فقدمت أوراقك وتم اعتمادها والموافقة عليك. والحقيقة أن هذه الثقة هي ثقة رخيصة لا يلزمك أن تشكر عليها فقد حصلت عليها بإمكانياتك وجدارتك وليس بهبة أو منحة من أحد، وحتى لا تشعر بعقدة الذنب لما حدث في محافظتك أريد أن أوضح لك أنك لست أنت الوحيد في مصر الموضوع في مثل هذا الموقف، بل لعلي لا أكون مغالياً إذا قلت إن 95% من المسئولين المسيحيين بمصر في مختلف مكاتبها ومصالحها وإدارتها هم أيضاً يلبسون نفس حذائك ويمشون على خطاك في الخطوط المرسومة لهم، وإلا لما كان في استطاعتهم أن يصلوا لما وصلوا إليه من مكان أو مكانة ولما أستطاعوا أن يكملوا المشوار، فلست أعرف محافظاً مسيحياً آخر خرج عن الخط المرسوم له سوى اللواء فريد عزت وهبة، ذلك الرجل العظيم والذي دعي بحق مؤسس محافظة جنوب سيناء بعد جلاء الجيش الإسرائيلي عنها، الرجل الذي عرفته عن قرب، فهو سليل عائلة كبيرة محترمة وغنية، وكان عسكرياً محنكاً تدرج في عدة مواقع ورتب، فقد خدم في مدرسة المدفعية، ثم في رئاسة اللواء الأول، ثم مدرسة مدفعية السواحل ومدرسة مدفعية الميدان، وحصل على دورة أركان حرب 1958 ولتفوقه في مادة الشئون الإدارية اختير مدرساً لهذه المادة، ثم قائداً للقاعدة الإدارية بمدينة الطور، فكانت مسئوليته هي إمداد كل القوات العسكرية في شبه جزيرة سيناء باحتياجاتها، ثم اشترك في تأسيس الجيش الثالث الميداني بعد حرب 67 وعمل رئيساً للإمداد وتموين قوات الجيش الثالث، ومنها انتقل إلى هيئة الإمداد والتموين للقوات المسلحة ثم رئيساً لأركان إدارة المهمات ثم رئيس أركان هيئة الإمداد والتموين برتبة لواء ثم اختاره محمد أنور السادات 1978 ليؤسس محافظة سيناء الجنوبية فقاد قوافل استلام أراضي سيناء وكذلك قوافل تعميرها، وظل هذا الرجل العظيم اللواء فريد عزت وهبة يعمل بفكر واضح ومنظم وحكيم لتخطيط المدن التي تم الجلاء عنها وتقديم الخدمات للأهالي سواء البدو المقيمين أو العاملين الوافدين إلى محافظته، كذلك للمسلمين والمسيحيين على السواء وحتى الزبالين في إمبابة والمقطم كان خادماً لهم حيث كان عضواًً فى جمعية خيرية تهتم بشؤنهم وتقوم على خدمتهم وتسديد احتياجاتهم. ولست أعرف رجلاً آخر من المحافظين أو الوزراء المسيحيين خدم مصرنا مثلما خدمها هذا الرجل العظيم. لقد ذكرني خطاب الاستقالة الخيالي للواء المحافظ مجدي أيوب بمقابلتي الأولى مع اللواء المحافظ الراحل فريد عزت وهبة. كان هذا الرجل يتمتع بصفات كثيرة أهمها في نظري التواضع، إيمانه بمسيحه ومسيحيته والجهر بها، وتحديه للتيار الحكومي وتمسكه بالحق حتى لو أدى ذلك إلى فقده لمنصبه كمحافظ. ففي 1978 كنت أنا ونجل اللواء الراحل الكريم، وحيد فريد عزت وهبة، أقرب الأصدقاء بعضناً لبعض، كنا في السنة قبل النهائية من كلية طب الأسنان. ذهبت يوماً الى بيت وحيد صديقى وزميلى لدراسة بعض المواد العلمية، وأدهشني وجود أكثر من 20 سيدة ورجلاً بالبيت، كان من الواضح أن هناك مناسبة سعيدة لم أكن أعلم ما هي. اقتادني صديقي وحيد إلى غرفته، سألته ما هذا الحشد الكبير من الرجال والسيدات، قال وحيد هذا اجتماع روحي اعتاد أبي على حضوره مع هؤلاء الإخوة والأخوات، أما اليوم فلقد تم اختيار والدي ليكون محافظاً لجنوب سيناء.
تساءلت في نفسي هل يعقد سيادة اللواء المحافظ اجتماعاً روحياً في بيته في يوم توليه منصب محافظ؟!!، وما هي إلا دقائق معدودة حتى قرع سيادته الباب وهو يسأل وحيد؛ مين معاك يا وحيد، دخل سيادة المحافظ ورحب بي، قال وحيد: "ده ناجي يوسف زميلي في الكلية وأخ مؤمن ويحضر كنيسة القس سامي لبيب في شبرا". وما إن سمع سيادة اللواء المحافظ اسم القسيس سامي لبيب حتى أخذ في الثناء عليه ثم قال لي: "بما أنك أخ مؤمن ومن عند القسيس سامي، ونحن مجتمعون في هذا الاجتماع الروحي وهذا اليوم الطيب، فعليك أن تعظنا من كلمة الرب اليوم". كان عمري يومئذ 22 سنة، حاولت الاعتذار، قلت له العفو حضرتك تتكلم اليوم وأنا أحب أسمعك، رفض وبشدة وبعدها بعشرة دقائق كان الجمع قد هدأ وأخذ الجميع أماكنهم وقال سيادة اللواء المحافظ: "أشكركم كثيراً على مجيئكم واليوم سيكلمنا بكلمة الرب الدكتور ناجي يوسف صديق ابني وحيد" ونظر إلى وقال: "اتفضل يا د. ناجي" وجلس بين الحضور ووقفت وأنا أشعر بصغري أمام هذا الرجل العظيم، قرأت من رسالة كورنثوس الثانية والأصحاح الخامس: "إذ نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا، نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله" وبعد قراءة هذا المقطع تكلمت عن السفراء والسفارة، عن ملابس السفير، لغة السفير، ولاء السفير، الخط الساخن التليفوني بين السفير ورئيس البلاد، خاطبت سيادة اللواء المحافظ أمام الجميع فقلت له: لابد أن تعلم أنه ليس السادات هو الذي اختارك أن تكون محافظاً لسيناء الجنوبية بل الله، وأنت في منصبك هذا لابد أن تكون سفيراً للمسيح فأنت لست ملكاً لنفسك، أنت سفير لملك الملوك ورب الأرباب السيد المهوب المخوف المسيح يسوع ، فكما يلبس سفراء كل بلد زيهم الوطني فيظهرون للناس هوية بلادهم فعليك أن تلبس المسيح وليعرف كل من يراك أنك سفيره، أما لغتك فلابد أن تكون اللغة الرسمية لمملكة الله فلغتك لابد أن تظهرك، وأما عن ولائك فلابد أن يكون للمسيح فقط فهو مليكك وزعيمك وقائدك ولا ولاء يعلو فوق ولائك للمسيح، لا لوطن أو رئيس أو حكومة أرضية بل لمملكة المسيح على الأرض، ولابد من خط تليفوني ساخن بينك وبين رئيسك وملكك يسوع المسيح، ذلك الخط من الصلاة والصلة بالمسيح هو الذي يضمن لك الإرشاد السماوي في كل ما تعمله أو تقوله وهو الذي يضمن لك النجاح في دخولك وخروجك ويحفظك قوياً منتصراً، كنت أتكلم له وأنا الصغير المحدث قليل الخبرة بالمقارنة بسيادة اللواء المحافظ وكأنني الأستاذ الذي يعلمه درساً لابد من إتمامه، وكان هو يجلس بين الإخوة والأخوات يستمع إلى نصائحي وكأنه تلميذ يحتاج إلى هذا الدرس من معلمه، وما إن انتهيت من كلمتي حتى وقف ليطلب من الحضور أن يصلوا لأجله حتى يهبه الله أن يكون سفيراً له في عمله الجديد، فيا له من رجل عظيم ومتواضع حقاً.
وربما نتساءل لماذا أذكر هذا الرجل العظيم وقد رحل عن عالمنا منذ زمن ليس بقصير، أقول إن هؤلاء هم المسيحيون الحقيقيون الذين يجب أن يعرفهم كل مسيحي يتولي منصباً قيادياً في مصر ويجب أن يكونوا مثلاً يحتذى وإن لم يستطع أن يمشي على خطاهم ليته يتخلى عن منصبه لمن هو أجدر منه به. لا زلت أتذكر كيف كان هذا الرجل صادقاً مع نفسه ومع من معه من فريق عمل في محافظة جنوب سيناء، وكيف أنه كان لا يخشى في الحق حتى السادات نفسه الذي أصدر قرار تعيينه، فعندما قدم السادات خطابه الشهير الذي زعم فيه أن مياه النيل ستصل إلى جنوب سيناء، ذلك المشروع الوهمي الذي كان يحاول المرة بعد المرة أن يلهي به الناس عن حالة الفقر والعطش والجوع واعداً إياهم بجنات تجري من تحتها الأنهار في صحراء سيناء، أجرت إحدى المذيعات حديثاً إذاعياً على الهواء مع اللواء فريد عزت وهبة وقالت له مبروك يا سيادة المحافظ، رد سيادته بهدوئه المعهود: الله يبارك فيكي، لكن على إيه؟ قالت: مبروك على وصول مياه النيل إلى محافظة جنوب سيناء، يا ترى ما هو تعليقك على كلام سيادة الرئيس السادات في خطابه اليوم؟ وما هي خططك للمستقبل للاستفادة من مياه النيل في محافظتك؟ قال سيادته: أنا معنديش تعليق على هذا الموضوع، اسألوا الرئيس عن الموضوع ده، لأني مش عارف جاب الكلام ده منين، هو مياه النيل مكفية الناس اللي في القاهرة علشان الريس يوصلها لنا لصحراء سيناء؟ عند سماعي لهذه الإجابة علمت أن هذا الرجل الشريف الذي لم يكن يعرف الكذب والمداهنة والمساومة على الحق سوف تنتهى مدة خدمته لمصر سريعاً، وما هي إلا أسابيع قليلة وقال لي وحيد أعتقد أن بابا سيترك المحافظة سريعاً، قلت بسبب إجابته في المقابلة الإذاعية، قال ليس ذلك فقط بل لأنه اختلف مع السادات في اجتماع للمحافظين كان منعقداً في جنوب سيناء، فترك الاجتماع وترك السادات الحاكم بأمره يومئذ ورجع إلى القاهرة دون أن يستأذنه.
لقد تزاحمت في رأسي كل هذه الذكريات عند قراءتي لهذا الجزء الخيالي من الاستقالة الخيالية التي قدمها محافظ حقيقي يتربع على كرسي حقيقي ولا يريد أن يتركه، قال: "أتقدم لفخامتكم بالاستقالة، إذ إنني قصرت في أداء واجبي الذي أوكلتموه فخامتكم لشخصي بعد أن أخطأت في تقدير الموقفين السياسي والأمني في المحافظة.. كما أهملت في تقديم التوجيه المناسب للأجهزة التنفيذية والأمنية وتجاهلت المناخ المحتقن في المحافظة وخاصة في فرشوط وما حولها من مدن وقرى وتركت الأمر كله بلا رعاية أو أمن". ومع أن الخطاب والاستقالة خيالية، إلا أن الأحداث وكيفية سير الأمور والنتائج التي وصلت إليها الأمور في قرى ومدن محافظة قنا تؤكد أن هذه حقائق وليست خيالاً، وتؤكد الإهمال الجسيم الذي تعيش فيه هذه المحافظة وغيرها من المحافظات التي جرت وتجرى بها مثل هذه المصائب العظام.
لقد صور كاتب هذه الاستقالة الخيالية حقائق مرة مستفزة لابد للحكومة أن تلتفت إليها عندما قال: "فسيبقى المحافظ المسيحي في الموقع كأخيه المحافظ المسلم تماماً، حريصاً على إخفاء المشكلات الدينية والسياسية والحقوقية، خاضعاً للتطرف والتشدد في القرى والمدن وموالساً مع الباطل، ومعارضاً للحقوق المدنية، ورافضاً لبناء الكنائس أو ترميمها، ومداهناً للأئمة المساجد الذين لا يرضون بمصر إلا وهي جثة هامدة في أحضان السلفية والظلام".
ولا شك أن هذه الاستقالة الخيالية تلقي الضوء على حالة الذعر والخوف والاضطراب الذي يعاني منه المسيحيون المصريون في بلادهم، فمع أن شعار المسلمين المعلن هو "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" إلا أنه ما أسهل أن يتهم المسيحي بانحيازه للمسيحيين إخوته وخاصة إذا كان في منصب قيادي، فناظر المدرسة المسيحي كثيراً ما تكون مدرسته خالية من تدريس الدين المسيحي لئلا يتهم بالتعصب فيهيج ضده المدرسين المسلمين، والأستاذ الجامعي المسيحي يتشدد ضد طلبته المسيحيين، ورئيس العمل المسيحي لا يعطي لموظفيه المسيحيين ما يستحقونه من تقدير أو مكافأة وإن أعطى لابد له أن يعطي ثلاثة من المسلمين ربما أقل من المسيحي في المستوى والأداء لكنه لابد من تقديمهم عليه لئلا يتهم بانحيازه لبني دينه، والأمن المصري لابد أن يقبض على واحد مسيحي أو أكثر في كل مشاجرة أو حادثة حتى لو لم يكن لهم دخل من أصله في الموضوع مادام لابد من القبض على مسلمين.
إن ما لفت نظري في هذه الاستقالة الوهمية هو اعتذار سيادة المحافظ لسيادة الرئيس، لكنه لم يعتذر لأصحاب الشأن، لذلك دعني أوجه نظره إلى أنه يحتاج أن يعتذر ويعترف بخطئه للمولى سبحانه وتعالى، فهو صاحب هذه الأرض وهو خالق كل نسمة حية، وهو ديان الأرض كلها، وهو الوحيد الذي يحيي ويميت ويغفر الذنوب، وهو الذي وضعك في هذا المكان لتحافظ عليهم كما يستدل من اسم وظيفتك وكون أنك أخطأت فأنت أخطأت في حقه سبحانه وتعالى أولاً. ثم إنك أيها المحافظ تحتاج إلى الاعتراف بخطئك لكل أم ثكلى فقدت فلذة كبدها في ليلة العيد ولكل أب كان يحلم بابن يشد من أزره ويرعاه ويعوله عندما يصل من العمر عتياً، إلى كل زوجة وضعت كل آمالها وحبها وحياتها في صدر زوجها وسكنت إليه فمزقت رصاصات الغدر هذا الصدر فرحل الرفيق والزوج والحبيب، لابد لك أن تعتذر لكل عين دمعت وقلب فطر على ابن أو زوج أو شقيق، لابد أن تعترف بخطئك للكنيسة التي طالما علمت الجميع عن السلام فهاجمها الغدر والخيانة. ستظل أنفاس هؤلاء القتلى في نجع حمادي وغيرها من قرى ومدن مصر تصرخ للمولى القدير الجبار، فلقد قال يوحنا الرائي: "رأيت تحت المذبح نفوس الذين قتلوا من أجل كلمة الله ومن أجل الشهادة التي كانت عندهم، وصرخوا بصوت عظيم قائلين حتى متى أيها السيد القدوس والحق لا تقضي وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الأرض". (رؤ 6: 9-10). ستطارد هذه الأنفاس المسئولين عن أرواح الناس في مصر كباراً أو صغاراً، مسيحيين أو مسلمين، وسيظل المصريون المسئولون عن هذه الأحداث تحت نفس اللعنة التي نطقها المولى تبارك اسمه، عندما غدر قايين بأخيه هابيل وقتله فقال القدير: "ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك متى عملت الأرض لا تعود تعطيك قوتها، تائهاً وهارباً تكون في الأرض" (تك 4 : 11-12). فالأرض التي تفتح فمها لتقبل دم الأبرياء من كل دين وملة وعقيدة هي أرض ملعونة ومن يغدرون بالأمناء والمسالمين هم ملعونون إلى يوم الدين، من الأرض التي يعيشون عليها وبئس من يلعنه المولى وتلفظه الأرض وتطارده أنفاس من قتل من الأبرياء وستظل أرض مصر تحت اللعنة إلى أن يكفر عنها أو يقضي المولى أمراً كان مقضياً.
وللحديث بقية.
|
|
|
|