التعليق:
الاسم:
عنوان التعليق:
المرسل إليه:
الاسم:

ليلة إعدام المقرر


دكتور بليغ حمدي إسماعيل



    اعتادت أذناي منذ كنت صغيراً الاستماع إلى كلمة مفتي الديار المصرية وهو يعلن في الراديو (المذياع) ظهور هلال رمضان واختفاءه أيضاً، كما ارتبط عندي منذ الصغر سماع لفظ المفتي وحكم الإعدام، ولا شك أن هذا الارتباط ترسخ لدي بفضل أفلامنا العربية القديمة التي كانت ولا تزال تضحك وتسخر من عقولنا وأذهاننا. لكن هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها لفظ مفتي الديار المصرية يرتبط بتطوير وتعديل وربما تغيير مقررات التربية الدينية بمدارسنا المصرية الجميلة المتطورة النظيفة.
    ولقد علمنا هذا الخبر حينما عقد الدكتور أحمد زكي وزير التربية والتعليم المصري مؤتمراً صحافياً بحضور فضيلة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية (وهو رجل مستنير) بخصوص تحويل مقررات التربية الدينية الإسلامية لفضيلته واتخاذ ما يراه مناسباً بشأن تطويرها وحذف كل ما يدعو إلى الإرهاب والانقسام المجتمعي والفتنة الطائفية بين المسلمين والأقباط.
    وهذا الخبر أكد لدي قاعدة مهمة راسخة بعقلي، وهي أن معظم أطروحاتنا الأكاديمية من ماجستير ودكتوراه مكانها الحقيقي أرفف المكتبات بالجامعات البعيدة تماماً عن معايير الجودة والاعتماد ومازالت تعاني حالة الانحسار الحضاري المزمن. هذه القاعدة تشير إلى رسالتي للماجستير في التربية الإسلامية منذ تسع سنوات تقريباً، ومفادها أن مناهج التربية الدينية- وليست مقرراتها كما يقصد وزير التعليم- ليست بحاجة إلى تعديل وتطوير، بل هي في أمس الحاجة إلى نسفها وحذفها وإبدال مناهج أخرى جديدة مكانها، ليس لأنها تحض على العنف والإرهاب والفتنة الطائفية كما يظن ويزعم وزير التعليم، إنما لأن معظم هذه المناهج تتسم بالسطحية وتعالج قشور القضايا الفقهية وتقدم صورة عامة بسيطة للإسلام وكأنها مجرد ورقة عمل تلقى في مؤتمر إقليمي.
    وسيكتشف، بل سيصدم القائمون بعملية إعدام مقررات التربية الدينية الإسلامية بمناهجنا المعاصرة حينما لا يجدون مفاهيم رئيسة وحيوية داخل صفحات هذه الكتب، مثل مفاهيم الجهاد، والتكفير، ومقاومة السلطة، والحجاب، والنقاب، والمرجعية. بل سيدهش هؤلاء المراجعون والمطورون أن هذه المقررات تكاد تخلو من عبارات المواطنة، والعولمة، فأي شىء يحذفونه من المقررات بحجة إثارة الفتنة والبلبلة في ثنايا المجتمع المصري؟
    إن عملية تطوير المقررات الدينية بحجة خدمة المواطنة تعد أمراً زائفاً لا قيمة منه أو من ورائه، لأن المدرسة المصرية باختصار فقدت قيمتها التنويرية، وبدلاً من أن تكون منارة للمعرفة والاجتهاد العقلي والفكري أصبحت بفضل الفضائيات مكاناً لممارسة بعض الأفعال والتصرفات المنافية للأعراف الاجتماعية، وليس جوراً في حكمي هذا والفضائيات الفراغية لا هم لها سوى عرض مدرس تحرش بتلميذاته، وطالب فقأ عين زميله بمطواة لا أعرف كيف دخل بها إلى المدرسة، وطالبة تصور زميلاتها بدورات المياه بإحدى المدارس، وأخيراً قيام قلة منحرفة من المعلمين الذين من المفترض أنهم يعلمون الفضيلة قبل المعرفة بتعاطي الحشيش بإحدى غرف المدرسة، وهلم جرا. 
    والمثير للدهشة والاستغراب أن أساطين المناهج والتربية وواضعي المقررات يدعون فخراً بأن المقررات الحالية صالحة للمعرفة والواقع الاجتماعي وهذا من وجهة نظرهم، والوزير ورجالاته يصرون على وجود خلل بهذه المقررات بدليل تحويلها إلى فضيلة مفتي الديار المصرية، وكلاهما لم يحالفه الصواب مع الاستحياء والاعتذار، فالمقررات التي يشيد بها الخبراء هي سطحية من شأنها أن تدفع الطلاب دفعاً لأصحاب المنابر غير المؤهلين ليكونوا جنوداً مخلصين لأغراضهم وأهوائهم دون وعي أو يقين أو فطنة، ولولا أن المساحة هذه لا تكفي لسردت لك عزيزي القارئ عشرات الأمثلة من المقررات الحالية التي تثير الضحك والسخرية بعقول أبنائنا.
    ونفس المقررات التي يدعي رجالات الوزارة ضرورة حذف بعض ما جاء فيها لأنها تقلقل الاستقرار المجتمعي وتبث الفتنة والعنف والطائفية هي براء من هذا الاتهام، فكيف لمجموعة من السطور المتراصة حول الشورى، أو قصص الأنبياء مثلاً، أو حكم التدخين وتنظيم الأسرة في الإسلام أن تدعو إلى محاربة أهل الذمة، أو تدمير وقتل المختلف عقائدياً مع عقيدة الإسلام.
    وأنا على يقين أن رأيي في هذه المشكلة سيغضب الكثيرين من هواة الدعاية والشهرة والظهور والحضور الإعلامي الذي هو أكثر من الغياب، فمثل هذه المساجلات والآراء بين الفريقين السابقين أشبه بمن دعي إلى مناسبة عرس أو زفاف ولم يجد شيئاً يقدمه هدية للعروسين فأعطاهما غطاء رأسه قليل الثمن والقيمة والذي يقيه من البرد والحر ويحفظ رأسه من الشعر الخفيف. 
    وما يحدث من مداخلات ومساجلات وربما معارك حامية الوطيس بين الفريقين فريق دفاع المجني عليه وفريق دفاع الجاني يذكرني بقصة طريفة ذات دلالة للعالم الفيزيائي الدنماراكي نيلز بور، وهو عالم لا علاقة له بصاحب الرسوم المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام حتى لا يدعي أحد علي بأنني أقود حملة دعاية لكوبنهاجن والدانمارك. والقصة باختصار شديد كالتالي: ففي امتحان مادة الفيزياء بكلية العلوم بجامعة كوبنهاجن جاء السؤال التالي: كيف تحدد ارتفاع ناطحة السحاب باستخدام الباروميتر؟ والباروميتر هذا جهاز لقياس الضغط الجوي. والإجابة المفترض أنها صحيحة كانت قياس الفرق بين الضغط الجوي على سطح الأرض وعلى سطح ناطحة السحاب.
    أما الطالب نيلز بور فقد كتب إجابة تتفق مع المعطيات الثقافية للتعليم في جامعته وقتئذ وليس الآن، فلقد كتب: بأن أربط الباروميتر بحبل طويل من أعلى ناطحة السحاب حتى يلمس سطح الأرض ثم أقيس طول الخيط. وذكر أيضاً أن نسأل بواب الناطحة عن ارتفاعها، ثم قام بسرد عدة إجابات مفادها إلقاء جهاز الباروميتر من فوق ناطحة السحاب على الأرض وقياس الزمن الذي يستغرقه السقوط وبالتالي يمكن حساب الارتفاع باستخدام قانون الجاذبية. ثم قام الطالب العبقري المجتهد بتحدي اجتهاده المعرفي فذكر إجابة مختلفة عما يريده أولئك المتهوكون والمتحجرون والمتيبسون عقلياً حينما كتب: إذا كانت الشمس مشرقة يمكن قياس طول ظل الباروميتر وطول ناطحة السحاب فنعرف ارتفاع الناطحة باستخدام قانون التناسب بين الطولين وبين الظلين.
    ولم يكتف نيلز بور بإجاباته السابقة فأراد أن يبصر أساتذته بموقفهم المعرفي الراهن بقوله: إذا أردنا حلاً سهلاً سريعاً يريح عقولنا من عبء التفكير والاجتهاد فسنحسب ارتفاع الناطحة بواسطة الفرق بين الضغط الجوي على سطح الأرض وأعلى الناطحة باستخدام الباروميتر. القصة انتهت لكن قصة صاحبها لم تنته، فلقد رسب في الامتحان لأن عقول أساتذته كانت متقوقعة داخل جهاز الباروميتر، أما هو فقد نال جائزة نوبل في الفيزياء.
    والسؤال هو: أية مقررات كفيلة بتنمية الاجتهاد والتنوير لدى عقول أبنائنا؟ بدلاً من إضاعة الوقت في جهود تطويرية من جهة الاسم والشكل فقط، ماذا لو قرر معلم التربية الدينية مثلاً تكليف الطلاب بإعداد بحث جماعي وليس فردياً عن حياة السيد المسيح (عليه السلام)، أو أن يقوم معلم التاريخ بتكليف طلابه بكتابة بحث قصير عن الحياة الاجتماعية في مصر القبطية لاسيما وأن وزارة التربية والتعليم أصبحت في هوس مستدام بما يسمى بالتعلم النشط والأنشطة غير الصفية. هذا إذا كنا حقاً نرغب في المواطنة وتعميق العلاقة الأبدية مع الآخر سواء شئنا أم أبينا.  
    وأوجز القول بأن وزارة التربية والتعليم ومن قبلها البيت أعطتا كافة الوسائل المعرفية المشبوهة فرصة النيل من أبنائنا حينما اهتمت بشكل المقرر وحجم الكتاب والسيرة الذاتية للمؤلفين وغير ذلك من أمور هامشية، وأهملت حق الطالب في الاجتهاد والتفكير، فكان الاستبعاد الاجتماعي وسطوة التكفير.