التعليق:
الاسم:
عنوان التعليق:
المرسل إليه:
الاسم:

هل للدولة دين؟


رفعت عوض الله
كاتب وباحث

Refaat.awadalla@live.com



    لأول وهلة قد يظن من قراءة عنوان المقال أنه دعوة إلحادية، غير أن مقصد هذا المقال شىء آخر لا يتعلق بالإلحاد من قريب أو من بعيد.
    بداية علينا أن نفرق بين أفراد المجتمع البشر والدولة التى هي مؤسسات تدير شئون البشر في حين أن البشر كائنات حية عاقلة لديها حاجات بيولوجية ونفسية وعقلية وروحية، من هنا أهمية الدين في حياة البشر بوصفه طريقاً للتواصل مع القوى التي تقف وراء الوجود المادي (الله).
    إذاً الدين دين للبشر أو للإنسان. وعلى هذا فإن الدولة بوصفها مؤسسات تدير حياة البشر في مجتمع ما لا دين لها بهذا المعني لسبب بسيط، لأنها ليست بشراً وإنما هيئة من أجل البشر، وهذا ما يميز الحداثة التي تنظر إلى الدين– على أهميته– على أنه من شأن البشر أو أفراد جنس الإنسان وأنه حاجة أساسية في صميم روح الإنسان.
    على أن هذا التوجه يثير سؤالاً:
    ما هي علاقة الدولة بالدين؟
    أثبتنا أن الدولة هيئة معنوية وليست بشراً وأنها هيئة تدير حياة البشر, فإذا كان الدين يشكل نشاطاً إنسانياً لا تستقيم حياة الإنسان بدونه، فإن الدولة تعمل على أن يتاح للإنسان، كل إنسان، أن يمارس هذا النشاط الروحي (الدين). فالدولة ترعى وتضمن أن يمارس كل نشاطه الديني بحرية لأن الأساس في الدولة الحديثة أنها دولة مواطنين، وظيفة الدولة بهذا المعني كفالة الحرية لكل مواطن وتمكينه من حقوقه.
    ومن هذه الحقوق الحق في النشاط الديني، وهنا الدولة الحديثة تختلف اختلافاً جذرياً عن الدولة القديمة.
فإذا كان أساس الدولة الحديثة هو المواطنة، فإن أساس الدولة القديمة هو الدين. بمعني أن الدولة القديمة كانت دولة رعايا يؤمنون بدين معين، وهذا الدين هو دين حكام هذه الدولة ومن ثم فإنه دين هذه الدولة.
وفي هذه الحالة كانت الدولة تفرق بين من يدين بدينها الرسمي من رعاياها وبين من يدين بدين آخر، مما دفعها إلى ممارسة الاضطهاد وفي أحسن الظروف التضييق على الرعايا الذين يدينون بدين آخر.
    هذا حدث في دولة الخلافة الإسلامية إذ اعتبرت الرعايا غير المسلمين رعايا من الدرجة الثانية أو الثالثة ومارست نحوهم اضطهاداً وتعنتاً، بل إن الأمر لم يقف عند هذا الحد، إذ طال التمييز أيضاً المسلمين الذين على مذهب آخر غير مذهب الدولة الرسمي، مثلاً الشيعة في الدولة السنية، وكذا الحال في فرنسا الكاثوليكية التي اضطهدت الفرنسيين البروتستانت، وأيضاً في إنجلترا البروتستانتية نجد تمييزاً وتضييقاً على الإنجليز الكاثوليك.
    الدولة الحديثة لا تنفي الدين، وهي في الواقع لا تستطيع هذا بحكم كونها إدارة لحياة البشر والدين مكون أساسي في صميم روح الإنسان، ولذا فإن الدولة لا تستطيع إلا أن تسمح وتتيح وتهيئ الظروف ليتمكن الإنسان من ممارسة الدين بحرية.
    الحقيقة أن الدولة هي الحارس والضامن لممارسة الدين. ولما كانت الدولة الحديثة دولة مواطنين فإن موقف الدولة من الأديان موقف حيادي، على العكس من موقف الدولة القديمة التي كانت تنحاز لدين على حساب الأديان الأخرى.
    وهذا الموقف كما سبق وأن أثبتنا نابع من أن الدولة الحديثة دولة مواطنين لا دولة رعايا، والمواطنون على العكس من الرعية لهم حقوق بوصفهم بشراً والدولة هي الحارس والضامن لهذه الحقوق. ومن هذه الحقوق الحق في اتباع دين معين وإقامة دور العبادة وإقامة الشعائر الخاصة بكل دين بكل حرية وأمان.
    الدولة لا دين لها ولكنها مسئولة عن حق كل مواطن في أن يكون له دينه والذي قد يختلف أو يتفق مع معتقدات أقرانه المواطنين الآخرين.