التعليق:
الاسم:
عنوان التعليق:
المرسل إليه:
الاسم:

نناهض التمييز.. ثم ماذا؟!


مدحت بشاي
m_beshay53@hotmail.com


 

    لا شك أننا نسعد جميعاً بما يحدث على الأرض المصرية إثر حالة تفاعل إيجابية من جانب النخبة أهل الرأي والفكر مع قضايا وهموم الوطن، والتي تتواتر وتتدفق نتائجها بسرعة عبر كل وسائل الميديا المتاحة للمواطن البسيط، فنستشعر بالخطورة أحياناً فنلملم أطراف قوانا في استنفار وطني وإنساني محمود، وعلى العكس نقفز فرحاً مع الإنجاز والفكر الطيب..
    بعض تلك القضايا التي يطرحها أهل الرأي يتوافر لها كل عناصر العرض الجيد من جانبهم، ومن ثم يتحقق لها التواصل الجيد والسريع مع كل فئات وشرائح البشر بكافة تركيباتهم الثقافية والبيئية والاجتماعية فيكون النجاح لوصول الرسالة إلى المتلقي نظراً للإعداد الجيد للطرح بشكل ومحتوى بسيط يسهل هضمه، ومن ثم اجتراره ونشره في دوائر أكبر يصعب تجاهلها مجتمعياً ومن جانب المسئولين..
    ولكن في المقابل يتوقف الأمر في معظم القضاياـ ومهما بلغت أهمية طرحها وخطورتهاـ على جلسات المكلمة وندوات البوح ومؤتمرات التلميع الورنيشي وصولاً إلى نيل أعلى درجات الكسب المعنوي والمادي باعتبار الحكاية سبوبة للاسترزاق، والاعتقاد بأهمية أن تظل الملفات مطروحة، وأن تظل كراسي المنصة في المؤتمرات يتبادل على الجلوس عليها نفس الأسماء أو تغييرها في أضيق الحدود وفقاً لتغيير العناوين ليظل الثابت الوحيد أصحاب الدعوة وخياراتهم الثابتة المعلنة للإصلاح!!
    أذكر كل ما تقدم بمناسبة استقبال بريدي الإلكتروني الإعلان عن "المؤتمر الوطني الثالث لمناهضة التمييز الديني- الإعلام والمواطنة" والذي تنظمه جماعة "مصريون ضد التمييز" برئاسة د. محمد منير مجاهد، الناشط الجاد الموضوعي.. وكنت قد تابعت وحضرت العديد من الفعاليات الهامة لتلك الجماعة، إنهم مجموعة بديعة وتوليفة متنوعة من أهل الرأي والتحليل والعرض والتأثير بحيادية إلى حد كبير، وهم ليسوا من جماعات البحث عن فرقعات إعلامية بقدر ما يبتغون توجيه الأنظار إلى ما يتعارف عليه أهل بلدي الطيبون بظاهرة "الخيار والفاقوس" والتي يكون ردهم عليها في الغالب السؤال "إشمعنى؟!" ويردد بعضهم "هوه احنا ولاد البطة السودة؟!" ثم يسألون في براءة "هوه احنا مش كلنا ولاد تسعة؟!".. ثم يتآلفون مع ما يحدث في استسلام قائلين: "أهي أيام سودة وبنعيشها" ثم بإيجابية فولكلورية يطلبون النجدة والشفاعة من أولياء الله الصالحين والقديسين ليفوضوا أمرهم إلى الذي لا يغفل ولا ينام أبو خيمة زرقا، حتى يكونوا شهوداًَ على من مارسوا معهم رذيلة التمييز يوم الحشر العظيم..
    لا شك أن ما سبق من فعاليات للجماعة قد لاقى ردود فعل مهمة على مستوى جماعات حقوق الإنسان، وأيضاً في الشارع المصري الذي بات يتابع أي حركات يمكن أن تدعم المواطن للحصول على حقوقه حتى وإن ظل مجرد متابع من مقاعد المتفرجين عن بعد، إلا أن رهان نجاحها يكون على مدى التأثير التراكمي والتصاعدي لتلك الأنشطة الإنسانية والحقوقية.. وفي هذا الإطار فليسمح لي أهل تلك الحركات والقارئ العزيز أن أتوقف عند رؤوس الأقلام من محاور التفكير التالية:
    • نأمل في مؤتمرات الجماعة القادمة، أن يتم الإشارة فيما يطرح من أمثلة ممارسة فعل التمييز الرذيل الارتباط العضوي والهام في مجال ما بسياقات أخرى قد تشكل السبب أحياناً في حدوثه، أو العامل المحفز على ممارسته، ومن ثم فرضه كواقع في النهاية يعيشه المواطن، فعلى سبيل المثال وبمتابعة ما يحدث في قطاع التعليم العالي نجد العديد من أشكال التمييز بشكل عام والديني بشكل خاص، حيث هناك العديد من أنماط ووسائل التعليم داخل الكلية الواحدة يضاف إليها كل عام أشكال جديدة موازية.. تعليم مجاني (يطلقون عليه مجاني)، وتعليم مفتوح بمصروفات اقتصادية نسبياً، وتعليم باللغة الإنجليزية أو الفرنسية وغيرها من اللغات بمصروفات مرتفعة، وتعليم عبر الانتساب الموجه (بمصروفات أعلى قدراً)، ثم التعليم المتميز برسوم تصل إلى 20 ألف جنيه للالتحاق.. يدخل من باب الكلية كل تلك النوعيات من المنتسبين لدراسة مؤهل واحد في مكان واحد في تمييز مقيت وقهر لأولاد من تيسر حالهم، والمرتفع دخلهم على حساب حتى من تفوق أو أجاد وكافح من أولاد الغلابة..
    عند مناقشة ذلك المثال من أمثلة التمييز لا ينبغي التوقف عند وصف القرار واتهام صاحب القرار والحديث عن تبعاته المجتمعية والإنسانية، وإنما ينبغي مناقشة كل الحجج والأسانيد التي ارتكن إليها صاحب القرار.. مثل الاحتياج لتمويل خطط تنمية الجامعات..
    أو لسبب ثان يحدثنا عن أهمية وجود برامج تعليمية أكاديمية تقدم تعليماً متميزاً يمثل قاطرة نموذجية لتخريج شباب مؤهل على مستوى قادر على المنافسة، وأن ما لا يدرك كله لا ينبغي أن يترك كله، وتحقيق أمل مصر في دخول جامعاتها ضمن قوائم الجامعات المحترمة، لأن مصر المحروسة لا يليق بها أن تظل قابعة في مؤخرة قوائم المنافسة المتقدمة عالمياً..
أو لسبب ثالث أن العائد المالي المأمول من وجود تلك النوعيات الموازية للتعليم سيتم إنفاقه على منظومة التعليم المجاني لتطويرها خدمة لأولاد الفقراء في النهاية..
    وعليه فإن مناقشة ممارسة وزير التعليم العالي ووزارته لأمر التمييز لابد أن نناقشها في إطار مناقشة السياقات المبررة لوجود مثل هذه الأشكال من التمييز نقبلها أونرفضها، ولكن يبقى وجودها في الملف المجهز للعرض ضرورة موضوعية لمناقشة يمكن أن تفضي إلى حلول.. ويكون الدفاع عن فقراء التعليم المجاني وحقوقهم في تلقي تعليم متميز في إطار حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور المصري، ومن خلال الإشارة إلى الحلول التي من شأنها توفير فرص التمويل والظروف المهيأة لتطوير آليات التعليم المجاني، كإنشاء بيوت خبرة علمية وتعليمية في الجامعات، وتنظيم دورات للتعليم التأهيلي والتعليم المستمر، والاستثمار في مجال التعليم الإلكتروني.. بالإضافة للتوجه إلى منظمات المجتمع المدني وطلب تفعيل آليات الاكتتاب والتبرع والتطوع، ومناشدة المؤسسات الاستثمارية العامة والخاصة ورجال الأعمال للتشارك في دعم وتحديث نظم وآليات التعليم.. إنه مجرد مثل للتدليل على فكرتي..
    • الأمر الثاني، الذي أناشد أصحاب الجهود الطيبة من المناهضين لكل آليات التمييز ألا تقتصر فعالياتهم النظرية المتمثلة في إقامة وتنظيم ندوات ومؤتمرات تبدأ في كل مرة مناقشة ظاهرة التمييز الديني من المربع رقم (1)، فلا يجب تجاهل للعديد من الجهود الطيبة والإيجابية، وعليه أرى أهمية البناء على ما تم إنجازه.. في قضية مناهضة التمييز الديني كان للأحزاب ولمجلس حقوق الإنسان ونواب في مجلسي الشعب والشورى ومراكز حقوقية وجمعيات أهلية العديد من المبادرات الإيجابية.. ولعل من بينها مقترحاً بقانون بديع ومتكامل إلى حد كبير للمحامية والناشطة الحقوقية منى ذو الفقار بشهادة العديد من المراكز الحقوقية، وكانت ذو الفقار قد تقدمت به إلى المجلس القومي لحقوق الإنسان.. ولعلها فرصة لتذكير القارئ العزيز ببعض أهداف المجلس ومهامه التي من أهمها:
     1- تعزيز وتنمية حماية حقوق الإنسان، وترسيخ قيمها.
     2- نشر الوعي بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية.
    3- الإسهام في ضمان ممارسة هذه الحقوق والحريات، والعمل على حل الشكاوى المتعلقة بها.
    4- المشاركة بالمقترحات والتوصيات في المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان على الصعيدين الوطني والدولي ومتابعة التنفيذ للاتفاقيات الدولية وتطبيقها.
    أعود إلى الدكتورة منى، والتي تقترح وجود آليات رقابية على تنفيذ القانون، ومتابعة مسئولية المخالفين.. ولجنة تكافؤ الفرص ومكافحة التمييز يرأسها مفوض عام، ويكون من بين أعضائها نائب للمفوض العام يختص بالعمل على حسن تطبيق القانون ومراقبة تنفيذه وممارسة اختصاصاته وفقاً للقانون.
    وحول اختصاصات المفوض العام لتكافؤ الفرص قالت منى ذوالفقار: "بموجب طلب كتابي من المفوض العام، تلتزم أي مؤسسة عامة أو خاصة من مؤسسات الدولة بتقديم تقرير أو معلومات عن أنشطتها بغرض متابعة وتقييم مدى التزامها بتنفيذ أحكام القانون أو في شأن أي تحقيقات يجريها المفوض العام، ولا يسري هذا الالتزام بالنسبة للمعلومات السرية التي لا يجوز إفشاؤها طبقاً للقانون أو المعلومات السرية المتعلقة بالأمن القومي.
    والسماح بمناسبة أية شكاوى مقدمة أو أية انتهاكات مبلغة لأي من المفوضين المحققين، بموجب طلب كتابي من المفوض العام، بتفقد أماكن العمل وغير ذلك في إطار متطلبات التحقيق، وإجراء التحقيقات في الشكاوى المقدمة أو المخالفات التي ترتكب ضد القانون أو لمتابعة مدى التزام أية مؤسسة بتعهداتها أو الخطة التي وضعتها لعلاج الخلل المتعلق بتطبيقها لأحكام القانون، وتجري التحقيقات بمعرفة المفوضين المحققين أو أي من وكلائهم وفقاً لإجراءات يحددها القانون، على حسب الأحوال.
    وللجنة حق المبادرة بإجراء التحقيق لتقييم مدى التزام أية مؤسسة عامة بأحكام القانون وإصدار تقرير في هذا الشأن في حالة الالتزام أو الإخطار بوقوع المخالفة واتخاذ الإجراءات المناسبة، وفقاً للقانون.
    وللمفوض المحقق اتخاذ قرار بناء على التحقيق في شأن وقوع المخالفة للقانون، على أن يراعي قبل إصدار القرار، إرسال مشروع التقرير للشخص المشكو في حقه وإعطائه فرصة للرد كتابة خلال مدة محددة لا تقل عن أسبوعين.
    • الأمر الثالث، يجب التأكيد دائماً على أن الدستور المصري في مادته الأولى ينص على مبدأ المواطنة باعتباره الأساس الذي يقوم عليه نظام الدولة المصرية، وأن مبدأ المواطنة يرتكز في جانبه القانوني على مبدأين أساسيين، هما تكافؤ الفرص والذي لم تكتف المادة 8 من الدستور بإقراره كمبدأ دستوري وإنما ألزمت الدولة بضمان تحقيقه لجميع المواطنين، والمبدأ الثاني هو المساواة أمام القانون وفي جميع الحقوق والواجبات العامة والذي أقرته المادة 40 من الدستور، إلا أن الدستور يتحدث عن مبادئ عامة ولم يحدد ماذا يعني تكافؤ الفرص كالتزامات تفصيلية محددة إذا خالفها الفرد أو المؤسسة يتعرض لعقاب. كما أن هناك مساحة شاسعة بين النصوص الواردة في الدستور والتشريعات، وما يشهد به الواقع من قصور شديد في تطبيق القانون من ناحية، وعدم فعالية إجراءات الانتصاف عن طريق القضاء من ناحية أخرى، مما ترتب عليه تراجع في احترام سيادة القانون وزيادة كبيرة في ظواهر العنف والبلطجة والتطرف بوجه عام والعنف الطائفي أو الديني بوجه خاص، وساد شعور عام بالإحباط والظلم، خاصة فيما بين شرائح من شباب مصر اتجهت- للأسف الشديد- لإعلان شعورها بعدم الانتماء وعدم الولاء للوطن لدرجة قبول مخاطر الموت غرقاً هروباً من الإحباط واليأس. 
    إنني أتمنى أن تتواصل الجهود التي يبذلها المناهضون للتمييز.. وأن نقف معاًًًً حكومة ومجتمعاً مدنياً وكل قوى الشعب الوطنية للسعي نحو تهيئة المناخ للمزيد من تكافؤ الفرص وتحقيق العدل الاجتماعي..