التعليق:
الاسم:
عنوان التعليق:
المرسل إليه:
الاسم:

هم يضحك وهم يبكي


المستشار/ نجيب وهبة


    اتجه أصحاب الدين حفظاً لجوانبه، نحو الجوانب الروحية، وتركوا العلوم بأصنافها. وكان الابتعاد بالدين عن العلوم ضرورة لصالح الدين، بعد أن أصبحت للعلوم فروع وأصول معقدة وتخصصات. وذلك منعاً لوقوع صدام أكيد بين أفكار قديمة وحقائق علمية حديثة. فإن قال العلم أن الأرض كروية فليس لقس أو بابا أو شيخ أو إمام أن يقول بخلاف ذلك وإلا كان أضحوكة. وإن أقر العلم أن الفيروس هو سبب المرض وليس الابتلاء أو العقاب، وأن الأنسولين هو علاج السكر وليس عسل النحل، فلا يجوز لأي أحد أن يقدم علاجاً للناس خارج علم الطب، وإلا كان أفاقاً نصاباً. مهما قال إنه يستخدم قراءات شمهورش أو بول الجمل، لأن هذا كله في علم الطب لا ينفع مريضاً ولا يشفع لمعالج، بل هو السبيل إلى مزيد من المرض، واستعماله أذى للناس بأمراض وعلل.
كل هذا ورجال الدين يرفضون الاعتراف بفعل الزمن وانقلاباته الحادة، ويرفضون استخدام المنهج العلمي، فشغلهم الحقد وامتلأوا كراهية على كل من تجرأ وأثبت تقدماً ورقياً عن خير أمة أخرجت للناس. والعمل على تعطيل هذا الرقي وإعاقة هذا التفوق ما دام بيد غير يد رجال الدين. ومن ثم اهتموا وانغمسوا في حياة مادية كاملة المواصفات.
    ويصر دكتور وهو عالم من رجال الدين على عدم مشاركة العلماء إنجازهم العظيم، لأنه يعتقد أن ما بيده من مقدسات فيها كل علم تم كشفه. وإذا اكتشف تناقضاً فإن الخطأ سيكون في العلم لأنه الجانب الإنساني الذي يجب أن يتفق بالتبعية مع الخبر الإلهي، وإلا كان علماً باطلاً بغض النظر عن نفعه للإنسانية.
    هذا رغم أن التاريخ الفكري الديني يشهد شهادة صدق واحترام، أنه إذا اختلف القول الديني مع ما يصل إليه العقل من نتائج وأحكام فلابد أن يؤخذ بحكم العقل لا بنص النقل. بينما الدكتور ومن يشعوذون العلم معه بالدين، يسيئون للطرفين ويرتكبون جريمة إبعاد الشباب عن البحث العلمي، مثل نظرية التطور التي تقوم عليها كل علوم البيولوجيا وعلوم الطب وفروعها جميعاً بلا استثناء، وهو ما يرفضه هذا الشيخ الحاصل على درجة الدكتوراه، رغم ما يدعيه من تدين لا يقنع أهل الدين. وهو في موقعه هذا إنما يقف فوق أرض الخرافة مفضلاً لها على العلم وفوق أرض زمن مضى لا يريد له أن يمضي.
    هذا الدكتور الألمعي التقي لو ألقينا على حياته نظرة سريعة في نموذج يوم واحد في حياته، نجد أيامه كلها متشابهة، فأي يوم كأي يوم آخر، تجده يصحو فجراً ليؤدي الصلاة فيضغط أولاً على مفتاح الإنارة ليضيء مصباح الكهرباء الذي اخترعه الكافر إديسون، ثم يذهب إلى دورة المياه ليستخدم (الكومبينيشن) بدلاً من الاستنجاء بالحجر المشروط فقهياً بأن يكون (جامداً قالعاً محترماً)، بعد أن ظل رجال الدين يرفضون استخدام الصنبور العادي باعتباره بدعة شيطانية، حتى أتى أهل المذهب الحنفي بحلالية استخدام الصنبور فأطلقوا عليه اسم (الحنفية) نسبة للمذهب الحنفي. ثم يقف صاحبنا الدكتور تحت (دش) المياه الساخنة بفعل سخان صممه أحد الملاعين في بلاد الملاعين، ثم يلبس ملابس الخروج التي نسجتها آلات اخترعها وطورها ملاعين آخرون من بلاد الكفرة، ثم يقود سيارته مفضلاً إياها على البعير والبغال والحمير رغم أن من اخترع السيارة ملعون آخر، ويدخل أخونا التقي محل عمله ليجلس أمام كمبيوتر من اختراع مجانين من المغضوب عليهم أو من الضالين، ثم يعود إلى بيته بعد العمل ليشاهد التلفاز الذي ابتدعه أصدقاء الشيطان، ثم لا ينسى قبل النوم أن يصب اللعنات على من قدم علماً، وبعدها يمد يده ليطفئ مصباح إديسون عليه لعنة الله والملائكة، ويحلم بالماضي السعيد عندما كان سيد الأمم يفتح ويغزو ويسبي وينهب ويستعبد الآخرين.
    كل هذا يا دكتور وتقول عنهم كفرة. صحيح هم يضحك وهم يبكي!