التعليق:
الاسم:
عنوان التعليق:
المرسل إليه:
الاسم:

القصة الأخيرة لشهرزاد
"الكلام المباح" في طلب "مصادرة الليالي"


روبير الفارس
EM:
elfares_robier@yahoo.com




    قدم عدد من المحامين المصريين يوم السبت 17 أبريل 2010 بلاغاً للنائب العام هو في حقيقته– دعوى حسبة- طالبوا فيها بمصادرة كتاب ألف ليلة وليلة الذي أقدمت على نشره سلسلة الذخائر التي تشرف عليها الهيئة العامة لقصور الثقافة بوزارة الثقافة، لأنهم رأوا فيه كتاباً "يخدش الحياء العام" واقتبسوا سطوراً من الكتاب تصف الممارسة والأعضاء الجنسية وطالبوا بالتحقيق مع المسئولين عن هذه السلسلة وهم الدكتور أحمد مجاهد رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة والأديب جمال الغيطاني رئيس سلسلة الذخائر والإداريون المسئولون عن النشر بموجب المادة 178 من قانون العقوبات.
    مستويات التلقي
    وقد توالت ردود فعل المثقفون والأدباء حول هذه الدعوى مستنكرين طلب المصادرة، وقال فاروق حسني وزير الثقافة إنه مع صدور الليالي وأنه يجب أن نحترم تراثنا باعتباره تراثاً إنسانياً وأنه ضد مصادرة الليالي، وعقد اتحاد الكتاب مؤتمراً علمياً تحت عنوان ألف ليلة وليلة ومستويات التلقي شارك في جلسته الافتتاحية عدد كبير من المثقفين والإعلام وأكد فيه جمال الغيطاني مسئوليته الكاملة عن النشر قائلاً: "الأمر ليس جديداً" إذ بين الحين والآخر تستغل التيارات التي تعمل لأهداف سياسية متمسحة بالدين بعض النصوص أو سطوراً هنا او هناك من رواية أو كتاب بهدف ترويع الأدباء والمثقفين الذين يجمعون على موقف واحد ضد التيارات الأصولية التي تسعى إلى تقويض ما تبقى من الدولة الحديثة وبناء الدولة الدينية، وأشار الغيطاني إلى حيثيات حكم محكمة الاستئناف الذي اصدره القاضي سيد محمود يوسف في 30 يناير عام 1986 ضد من طالبوا بمصادرة "الليالي" وقتها، جاء في الحيثيات أنه لم يؤكد أن مؤلف ألف ليلة وليلة كان مصدراً للعديد من الأعمال الفنية الرائعة ومنه استقي كبار الأدباء في العالم عامة والعربي منه خاصة روائعهم الأدبية، الأمر الذي ينفي عنه الإثارة الشهوانية لدى قرائه إلا من كان منهم مريضاً تافهاً وهو ما لا يحسب له حساب عند تقييم قيمة المطبوعات الأدبية الطيبة".
    أما الناقد د. جابر عصفور فأكد على الردة الثقافية الحضارية بمصر لأن الكتاب طبع أيام محمد على وراجعه شيخ أزهري يدعى "محمد العدوي قطة" وأنه موجه بالأساس ضد السلطة الذكورية. وطالب الأديب محمد سلماوي رئيس اتحاد الكتاب بتقديم بلاغات مضادة ضد هؤلاء المحامين لأنهم ضد حرية التعبير التي أعطاها الدستور كما أنهم يروعون الآمنين من الكتاب. وختمت الجلسة الافتتاحية بالرد العملي الممتاز الذي قامت به هيئة قصور الثقافة وهو تقديم طبعة ثانية من الكتاب في تحد رائع لطيور الظلام، وقد حمل سلماوي ومجاهد النسخة الأولى من الطبعة في وسط تهليل وتصفيق الحضور، ولكن بعد الجلسة الافتتاحية وانصراف الإعلام انصرف الحضور ولم يتبق الا النذر اليسير لمتابعة الندوات العلمية حول ألف ليلة وليلة مما كان له أثر سيئ في نفوس المحاضرين.
    وبدأت المحاضرات بمحاضرة للدكتور محمد حافظ دياب عن "الجنس والليالي" حيث أكد فيها أن الكتابة عن الجنس وردت في التراث العربي الإسلامي ضمن الاشتغال الفقهي العام وداخل منظومة الشريعة الإسلامية فيما عرف بـ"علم النكاح" وتبدو أعمال الإمام جلال الدين السيوطي مفسر للقرآن والأحاديث النبوية من أبرز وأغزر هذه الأعمال التي رأت في الجنس خبزاً يومياً مطلق الحضور وله نحو 60 كتاباً تناولت كل فنون وأنواع الجنس بصريح العبارة، وليس السيوطي وحده بل هناك عشرات من المؤلفين العرب الذين كتبوا عن هذا الموضوع منهم "الجاحظ- الغزالي– ابن حزم– ابن سينا– ابن عربي" فكيف يمكن إنكار كل هذا التراث الذي تظهر إلى جواره ألف ليلة وليلة نقطة صغيرة بجوار بحر كبير؟ وأكد الدكتور دياب أن الجنس في ألف ليلة وليلة ليس هو المقصود في ذاته بل المقصود هو تعرية السلطة والقهر، لذلك تتكرر قصص العبيد الذين يرغبون في ممارسة الجنس مع سيدتهن أو أزواج أسيادهم لأنه عندما ينالها لا يصبح العبد عبداً ولا السيدة سيدة بل مجرد امرأة.
    ثم تحدث الكاتب قاسم مسعد عليوة عن مخالفة قانون الحسبة- الذي يتيح للإسلاميين طلب المصادرات– للمادة 47 من الدستور المصري الذي يكفل حرية التعبير، وفند عليوة نص البلاغ حيث أكد على مغالطات من قدموه مثل قولهم أنهم فوجئوا بما جاء في الليالي، لأنها منتشرة ومطبوعة في العديد من الطبعات والمواقع الإليكترونية، وقدم عليوة عدداً من التوصيات أهمها تفعيل القانون في مثل هذه الدعاوي بحيث لا ترفع إلا من النيابة العامة، وليس من أي عابر سبيل، وتغريم كل من خسر دعواه قضائياً بغرامة مالية تكون كفيلة بعدم تكرر محاولات محبي الشهرة.
    وفي الجلسة التالية تحدثت الدكتورة هدى وصفي عن أثر ألف ليلة وليلة في الأدب الفرنسي منذ ترجمة "جالان" لليالي، وربطت بين ظهور الترجمة الفرنسية لليالي وبداية النهضة الثقافية في فرنسا حيث ساهمت الليالي في تقديم شكل من أشكال المعرفة بين العالم الغربي وإثارة الخيال الفرنسي والأوربي، وقد استلهم منها فولتير بعد أن قرأها 14 مرة قراءات متأنية وواعية قصته "كانديد".
    وتحدث الدكتور بهاء عبد المجيد عن أثر الليالي في الأدب الإنجليزي وتحديداً رواية "عوليس" لجيمس جويس. وربط الناقد الدكتور حامد أبو أحمد بين الليالي وظهور الواقعية السحرية في أدب أمريكا اللاتينية واعتراف ماركيز بذلك.
    وقد طالب البيان الختامي للمؤتمر بتدريس أجزاء من الليالي بالمدارس، واعتبر عام 2010 عام الليالي.
    الليالي
    لعل كتاباً لم يشتهر في أرجاء العالم مثلما اشتهر كتاب "ألف ليلة وليلة" وهو سفر من أهم أسفار الأمة العربية، تضمن قصصاً على لسان الجارية "شهرزاد" التي كانت تحكي للملك "شهريار" الذي تعرض للخيانة من زوجته، فقرر ذبح كل من يتزوج بها بعد الليلة الأولى من زواجه، غير أن شهرزاد استطاعت بقصصها أن تؤجل قتلها عن طريق الحكى.
    وقصص الكتاب الذي يمتلك أسلوب سرد وتداخل وتضفير لا مثيل له تحتوي على تأثرات فرعونية وهندية وبابلية وفارسية، ولكنه مع هذا كتاب عربي 100% ومصري للنخاع.
    من المداخلات
    أكدت السيدة سوزان عبد الرحمن المصححة اللغوية لطبعة "ألف ليلة وليلة" أنها تعرضت للإهانة من المحامين أصحاب البلاغ ضد الكتاب وعندما حاولت أن تناقشهم عن طريق موقعهم "محامون بلا قيود" على الإنترنت طلبوا منها أن تقرأ لأبنائها ووالدتها مقاطع حددوا صفحاتها من الكتاب، مؤكدين أنها إذا قرأتها تكون إنسانة غير محترمة وإذا لم تقرأ تكون معهم!! سوزان أشارت إلى أخطاء فادحة في لغة وفكر هؤلاء المحامين.
كاتب الأطفال الشهير عبد التواب يوسف أشار إلى التقصير في التعامل مع ألف ليلة وليلة في مراحل التعليم، وندد بتجاهل المترجمين ترجمة أعمال الكتاب الأجانب عن ألف ليلة وليلة، مؤكداً أنها الكتاب الثالث الذي يتم ترجمته على مستوى العالم بعد "الإنجيل" و"أعمال شكسبير".
    الكاتب محمد قطب قال إن ألف ليلة وليلة ذات أصول هندية ترجمت من الفارسية ثم اختلطت بالأدب الشعبي وأثرت في اتجاهات الأدب العربي والأجنبي معاً، وهي أصل مذهب "الواقعية السحرية" كما أعلن ذلك الأديب الشهير ماركيز. وأضاف قطب: الغريب أننا لم نسمع أصواتهم تطالب بمصادرة الألفاظ الخارجية بالأغاني المبتذلة أو جلسات مجلس الشعب أو الفضائيات.
    الكاتب سعيد الكفراوي قال: نطالب بالحرية تتراجع.. نطالب بالديمقراطية تتراجع.. إنها أيام سوداء عندما يطالبون بمصادرة كتاب نفتخر به أمام العالم. وطالب الكفراوي بأن لا يتم تقديم كتاب للمحاكمة إذا كان صدر حكم في صالحه من قبل.
    الأستاذ محمد ناصر عبد الحفيظ الموظف بمقر اتحاد الكتاب طرح فكرة مختلفة حيث قال: إن هؤلاء المحامين يعملون لدور النشر الخاصة التي تبيع الكتاب بمبالغ كبيرة ويضرها تماماً صدور الكتاب عن مؤسسة حكومية بمبلغ رمزي، لذلك يعتبرون صدورها عن وزارة الثقافة إهداراً للمال العام!!
    كواليس المؤتمر
    كان الحضور الإعلامي والجماهيري كبيراً جداً في الجلسة الافتتاحية التي شارك فيها الروائي جمال الغيطاني، والناقد جابر عصفور، ورئيس اتحاد الكتاب محمد سلماوي، ورئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة دكتور أحمد مجاهد، وبعد انصرافهم انصرف الإعلاميون ولم يبق بالقاعة إلا عدد قليل جداً شارك في الفعاليات الأساسية للمحاضرات الجادة للمؤتمر وهو أمر مخجل.
    ارتفع صوت التصفيق والتهليل عندما أعلن الدكتور أحمد مجاهد عن صدور الطبعة الثانية من ألف ليلة وليلة في تحد عملي رائع لقوى الظلام، وساد الفرح عندما رفع الدكتور مجاهد وسلماوي النسخة الأولى من الطبعة الجديدة.
    غاب أكثر من محاضر دون اعتذار واضح، ومن هؤلاء الدكتور حسن هند الذي كان من المقرر أن يتحدث عن حرية التلقي، والدكتور صلاح السروي وكان من المقرر أن يتحدث عن "الأجيال الدرامية".
     القصة الأخيرة لشهرزاد
    قالت شهرزاد: "بلغني أيها المصريون الكرام أن بلدكم وقع في الضلال وأصبح للجهل فيه السيادة والإبداع والفكر تحت الإبادة وصار كل من يبحث عن الشهرة ولكي تستضيفه مذيعة حلوة وتظهر صورته الغبية في الصحافة اليومية يطعن في شرف حكايتي وينسى الأئمة وكتبهم التراثية ويتجاهل كل الحكمة الواردة في (لياليه) ويتهمني بـالإباحية في الوقت الذي توجد في الكتب السماوية ألفاظ ووصف للحياة الجنسية فما بالكم وأني كتاب "حواديت شعبية" وقد قال القاضي الذي حكم لي بالبراءة إن من يثار من كلامي ضعيف النفس "تافه" بالأمارة.
    لذلك أدق لكم أيها المصريون ناقوس الخطر إذا قادكم هؤلاء الجهلاء فقد وقعتم تحت سيف الفناء وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح