التعليق:
الاسم:
عنوان التعليق:
المرسل إليه:
الاسم:

حديث الكراسى وروايات المصاطب


بقلم/ الدكتور القس صفوت البياضى
رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر


    يبدو أن طبيعة الإنسان لا تغيرها المواقع ولا ثؤثر فيها المراكز ولا تهذبها المسئوليات مهما بلغت جسامتها وارتقت علاقاتها. فقد قرأنا عن أحد رؤساء الولايات المتحدة الذى كان يشبع هواياته بلعب الأطفال فى ساعة من ساعات العمل بمكتبه وكانت تأتيه أحدث ألعاب الطفولة فيجلس على الأرض ليلهو بلعبته وكأنه يسترجع طفولته وبها يعود إليه صفاء الذهن وراحة البال حتى يستطيع أن يفكر فى كيفية إدارة الشأن العالمى.
    أما وأن المسئول الذى تدرج من القاع إلى أن اعتلى كرسيا متميزا فاتسعت علاقاته وزادت مسئولياته وكبرت سلطاته إلا أن أحاديث المصاطب ظلت شغله الشاغل فانتقل مادياً من المصطبة إلى الكرسى ولكن لغة التخاطب ظلت مختلطة بين ثقافة الكرسى وثقافة المصطبة ولغة الشارع، وحتى لا نكون مثاليين لا واقعيين أرى أن المشكلة تبدأ من التنشئة ومنها إلى التعليم والتدريب والتقويم والمساءلة. أما عن التنشئة فهى البداية منذ ولادة الطفل أو ما قبل ذلك، فالعالم المتقدم تدرس فيه الأم قبل أن تفكر فى الإنجاب كيفية تربية الطفل المرتقب بل وكيف تتعامل مع الجنين فى أحشائها من حيث أسلوب التغذية ونوعية العقاقير ونمط الحياة وساعات النوم وما تسمع من نوعيات الموسيقى وما تقرأ من كتب وما تمارس من رياضة حتى تعد نفسها إعداداً سليماً جسدياً وعقلياً ونفسياً، وفى كل هذا يشارك الزوج فى حمل المسئولية وتيسير متطلبات المرحلة والاستعداد الكامل لتحمل المسئوليات القادمة، هذا ويتعاون الأصدقاء والزملاء فى معاونة الأم أو مشروع الأمومة بكل وسيلة، فالزوج والزوجة يقرآن الكتب التى تساعدهما على تربية الطفل. وبعد الولادة يأتى الدور الأكثر احتياجاً فالطفل يحتاج إلى رعاية صحية ونظام تغذية، وفى الغالب ما تتفرغ الأم تماماً من العمل حتى قرأنا عن رئيس وزراء بريطانيا السيد تونى بلير الذى قام بإجازة رسمية ليتفرغ لزوجته وصغيرهما أثناء الولادة ورعاية الطفل فى أيامه الأولى، وكان يمكنه أن يسند هذا العمل إلى طبيبة أو ممرضة متخصصة فى هذا المجال، ولكن الكتب تقول إن الزوجة تحتاج إلى زوجها أن يكون قريباً منها رغم وجود آخرين كالأم والإخوة، إلا أن المشروع منذ البداية وحتى يكبر الأبناء ويستقلوا فى حياتهم هو مشروع مشترك بين الزوجين.
    كما أن الخلل فى رعاية الأبناء منذ بداية مشروع الزواج يؤثر تأثيراً سلبياً على الأبناء، فلا نتوقع أن ينشأ أبناء وبنات أسوياء حتى ولو اعتلوا أعلى الرتب وأرفع المناصب من نتاج أسرة تعانى خللاً فى التركيبة الطبيعية سواء كان بانفصال الزوجين أو بالصراعات بينهما والتردد على المحاكم ودواوين الشرطة والمعارك المنزلية وتبادل التهم بين الزوجين وتدخل الأقرباء والأصدقاء والجيران.
    وماذا عن المرحلة المكملة للتنشئة وهى مرحلة التعليم والمفترض أن المدرسة متعاونة مع المنزل في تصحيح المسار إذا أصابه اعوجاج، مع صعوبة الأمر عندما يحدث خلل فى إحدى الحلقتين، وبالتالى إذا ما اختلت التربية المنزلية وزاد الطين بلة فى المدرسة. وفى كثير من الدول المتقدمة توجد بيوت متخصصة لرعاية أطفال الأسر غير السوية بل ومن حق الأبناء أن يبلغوا عن والديهم عن عدم قدرتهم على الحياة مع والدين لا يطيق الواحد الآخر، ويعرف الأطفال من المدرسة ووسائل الإعلام أرقام تليفونات هذه المؤسسات، كما أن الجيران يستطيعون إبلاغ هذه المؤسسات بسوء معاملة الأطفال أو خطورة حياتهم فى أسرة لا تملك الجو المناسب والرعاية الكافية لمثل هؤلاء. 
    ومؤسسات رعاية الأطفال غالباً ما تدعمها الحكومات والهيئات والأفراد، كما وتساند العاملين فيها الشرطة التى تحميهم فى دخولهم إلى المنازل غير السوية وتمكنهم من أخذ الأطفال ولو لم يقبل الآباء، فمصلحة الصغير مقدمة على مصلحة الآباء، وإذا ما عاد الاستقرار إلى الجو العائلى فيمكن للآباء أن يطلبوا استعادة أولادهم حتى إذا ما ثبت صحة طلبهم وعودة الاستقرار والسلام العائلى يعود الأبناء إلى حضانة الوالدين. إنهم يعرفون جيداً أنه لا يجنى من الشوك تيناً ولا ينتظر من الحسك وهو نوع من الشوك أن تجنى منه عنباً. 
    أما التعليم فهو قصة أخرى لأنه المسئول الثانى والمكمل للتنشئة والتربية فالطفل الذى يفقد شخصيته واعتباره فى الفصل والفناء من المعلم ومن الرفقاء كيف ننتظر منه إنساناً قادراً على احترام الآخرين الذين يلجأون إليه في موقعه – أى موقع احتله – فقد يكون معلماً أو طبيباً أو فى مقاعد المسئولين الكبار. إن العشرين سنة الأولى من حياة أى إنسان قادرة على صياغة الإنسان، أما وما يلى ذلك ففى حكم المستحيل أن تتغير الأحوال فساق الشجرة التى اكتمل نموها يستحيل استقامته لو مال والحل الوحيد هو قطع الشجرة حتى لا تضعف الأرض وتؤذى كل من قدر له أن يذوق مرارة الثمر. 
    إنها دعوة وإنذار للآباء والمعلمين ومن بيدهم سلطة توزيع المقاعد والمراكز أن نراعى الله فى الوطن وفى أبنائنا بل وفى نفوسنا.