إصدار: العدد 110 الصادر في نوفمبر 2014 ارشيف الطريق
قوة الحلم
  
[HL_Advert]
 
بحث متقدم
استطلاع الرأي هذا الشهر عن
ونعتز بمشاركتك الايجابية في هذا الاستطلاع
مدير التحرير/ ثروت صموئيل
الإرهاب الأسود ودولة العواجيز
د.ق/ صقوت البياضى
هل يوجد حقًا إله
القس/ جورج شاكر
الشهادة القوية ثمرة العبادة الحية
القس/ بيمن الطحاوى
الصراع ليس شرًا دائمًا
مدحت بشاى
النخب القبطية والوجود السياسي
حسن إسماعيل
مازلت أؤمن
د. بليغ حمدى أسماعيل
Malala Viva
القس/ أيمن لويس
هكذا نحن نعرف الله
د. عايدة نصيف
مصر قلب العالم ورمانة الميزان
Monday Nov/24/2014
11:54:01 AM
تعليق ارسل لصديق
 

المسيحـي والوطــن

القس/ چورچ شاكر

    شهدت الكنيسة عبر تاريخها الطويل ثلاث نظريات بشأن العلاقة بين المسيحي والوطن وهم:

    النظرية الأولى: نادت بالفصل الكلي بين الكنيسة والمجتمع، وهذا ما جعل المسيحي يصاب بانفصام بين عبادته وشهادته، وبين إيمانه وأعماله.

    النظرية الثانية: نادت بالتغلغل الكامل للكنيسة في المجتمع، من خلال خدماتها الاجتماعية، ونزولها إلى المعترك السياسي، وهذا الاتجاه صبغ رسالة الإنجيل بصبغة اجتماعية، الأمر الذي أضعف رسالة الكنيسة الروحية، وجعل ملامح حياتها المقدسة تخبو، وامتدادها ونموها يتراجع.

    والنظرية الثالثة: نادت بإنجيل كامل لإنسان كامل، بمعنى كما أن الكنيسة تهتم وتنادي للإنسان بمحبة الله وغفرانه لخطاياه، وأهمية وجود علاقة وشركة حميمة بالرب، عليها أيضاً أن يكون لها الدور الإيجابي والفعال في تسديد وإشباع متطلبات الإنسان الجسدية، وهذا الاتجاه هو الذي يتوافق مع الحق الكتابي كما سنراه في الأفكار الآتية:

    أولاً: المسيحي يخضع لسلطة الدولة:
    يقول الرسول بولس" لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلا من الله والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله".(رو13: 1).

    ويقول الرسول بطرس" فاخضعوا لكل ترتيب بشري من أجل الرب إن كان للملك فكمن هو فوق الكل" (1بط2: 13).

    وقبل هذا وذاك فالرب يسوع في أيام تجسده جاء إليه البعض يسأله " أيجوز لنا أن نعطي جزية لقيصر أم لا؟ فكانت إجابته أعطوا إذا ما لقيصر لقيصر وما لله لله". (لو20: 25).

    من هذه الشواهد الكتابية يتضح لنا أن كلمة الله توصينا بالخضوع لسلطة الدولة ودستورها وقوانينها وأنظمتها باعتبارها أداة لحفظ البلاد، فبدون سلطان الدولة وهيبتها يتحول المجتمع إلى غابة تسوده الفوضى ويعمه الفساد.

    ثانياً: المسيحي يشارك في صناعة مصير بلاده:
    إن المتابع المدقق للكثير من الأحداث التي تحدث في عالمنا مثل الحروب، والثورات، وأعمال العنف، والإرهاب، والاضطهاد، والانهيار الاقتصادي، والانفلات الأمني، يجدها ناتجة عن أسباب سياسية في المقام الأول، حتى لو لبست أحياناً أزياء دينية، لذلك على المسيحي أن يمارس حقوقه المدنية، ويشارك بإيجابية وفاعلية في مختلف المجالات السياسية التي يمكن أن يخدم من خلالها وطنه، وأن يساهم في صناعة القرارات المصيرية لبلاده، ويبدي رأيه في دستورها وقوانينها وقراراتها وسياساتها.

    هذا والجدير بالذكر أنه شتان الفرق بين دور الإنسان المسيحي، ودور الكنيسة كهيئة، فالكنيسة تشجع أبناءها على الانخراط والالتحاق بالعمل الوطني السياسي بصفة عامة، لكنها لا توجههم اتجاها سياسياً معيناً، فهي تحترم حرية الإنسان وتفكيره وقراره واختياره، أما الكنيسة في ذاتها فهي لا تربط نفسها بحزب أو اتجاه سياسي معين مهما كان برنامجه رائعاً، فالكنيسة تقوم بدورها الروحي في رعاية شعبها وتعلمهم وتقودهم إلى معرفة الله ومخافته وإتمام مشيئته، وتؤدي دورها الاجتماعي للمجتمع ككل.

    ثالثاً: المسيحي يخدم وطنه:
    عندما نتأمل في حياة الرب يسوع على الأرض نجد أن حياته كانت نموذجاً للعطاء المنقطع النظير، فلم يعش يوماً واحداً لذاته، بل أعطى كل حياته لمجتمعه، إذ كان يجول يصنع خيراً، ويشفي المرضى، ويقيم الموتى، ويشهد للحق ويقيم العدل، ويدافع عن المظلوم، ويشبع الجائع، ويهدي الضال وينثر الحب للجميع.

    أكثر من هذا وذاك لقد كانت آلام المسيح وصلبه من أجل فداء وخلاص العالم كله، وبعد قيامته وصعوده سلم المهمة إلى الكنيسة فلقد قال لتلاميذه " كما أرسلني الآب أرسلكم أنا". (يو20: 21) ولذلك فإيماننا المسيحي هو أن الإنسان في مسيس الحاجة إلى التحرير الكامل من الخطية كما من الفقر والجهل والبطالة والظلم، حتى يمكنه أن يستمتع بكل أبعاد الحياة الأفضل، وهذا هو دور المسيحي ووكالته وإرساليته في وطنه.

    فالمسيحي يشعر أن خدمة وطنه مسئولية في عنقه لا يفكر لحظة واحدة في الهروب منها، وواجب مقدس لابد أن يؤديه على أكمل وجه.

    نعم! إن حب الوطن وخدمته لا يمكن أن يكون شعراً نتغنى به فقط، إنما المواطنة الحقيقية هي بالحرص على مصالح الوطن، والحفاظ على مؤسساته ومكتسباته، وحماية أراضيه والدفاع عنه، وبالسعي الدائم والدائب على تقدمه وازدهاره واستقراره، وذلك بالعمل الأمين الجاد، والعطاء الصادق المتميز.

    رابعاً: المسيحي يحب أهل بلده:
    لقد دعانا الرب يسوع إلى حب الجميع دون تفرقة، وقد علمنا أن محبة الله لا تكتمل إلا بمحبة الآخر في الوطن.

    والرسول يوحنا يدعو الآخر بـ(الأخ) ويقول:" وأما من يبغض أخاه فهو في الظلمة، وفي الظلمة يسلك، ولا يعلم أين يمضي، لأن الظلمة أعمت عينيه".(1يو2: 11) وأكثر من هذا يقول: كل من يبغض أخاه فهو قاتل نفس،."(1يو3: 15).

    خامساً: المسيحي يجب أن يشعر بقيمته في وطنه:
    إن قيمة المسيحي لا يستمدها من كونه ينتمي إلى الأقلية أو الأكثرية في المجتمع الذي يعيش فيه، لكن المسيحي يشعر بمكانه ومكانته في وطنه بعطائه وتفانيه، بإيجابيته وليس بانطوائه وسلبيته.

    كيف لا ؟! والدارس لتاريخ الكنيسة يعرف أن الكنيسة في عصرها الأول كانت أقلية ضئيلة في مجتمعها، وكم عانت من الاضطهاد، ومع ذلك كانت تعرف قيمتها ومكانتها ودورها ورسالتها، وكانت أكثر تأثيراً من أي وقت آخر عبر العصور.

    فالأقلية متى استوعبت هذا الدرس وأدركت مركزها وهدفها في المجتمع لأضحت كالنور الذي يضيء الظلام، والملح الذي يعطي المذاق.

    هذا ومن ناحية أخرى، يجب على الوطن أن لا يميز بين مواطن وآخر على أساس الدين أو الجنس أو اللون أو الِعرق أو غير ذلك فيعامل الكل سواسية، لا يكيل بمكيالين، الكل له نفس الامتيازات وعليه نفس الحقوق والالتزامات، ولا أحد فوق القانون، حتى يشعر كل مواطن بقيمته ويفخر بانتمائه وولائه لوطنه.

    سادساً: المسيحي يصلي لأجل بلاده:
   إن المسيحي مطالب أن يصلي من أجل بلاده وحكامه وجميع المسئولين، فيقول الرسول بولس إلى تيموثاوس " فأطلب أول كل شيء أن تقام طلبات وصلوات وابتهالات وتشكرات لأجل جميع الناس، لأجل الملوك وجميع الذين هم في منصب.. ".

    نعم! جميلة الرسالة التي أرسلها إرميا إلى المسبيين في بابل، إذ بعد أن أخذ يحثهم ليكونوا إيجابيين ومثمرين، طلب منهم الصلاة من أجل المدينة المأسورين فيها فيقول لهم:" واطلبوا سلام المدينة التي سبيتكم إليها، وصلوا لأجلها إلى الرب، لأنه بسلامها يكون لكم سلامٌ"(إر29: 7).

    والصلاة في مفهومها ليست كلمات محفوظة نرددها دون أن نعي معانيها، أو مجرد طقس نؤديه وانتهى الأمر، وإنما المسيحي ما يطلبه في صلاته يعمل ويسعى بإخلاص وأمانة على تجسيده وترجمته في سلوكه اليومي.

 
Copyright © 2010 El Tareeq all rights reserved Site is best viewed at 1024x768
Powered by JCToday